نور غنطوس تروي قصتها: استكشاف هويتي العربية الأيرلندية من خلال اللغة والجمال

عبر السطور التالية، تروي نور غنطوس قصتها مع الانتقال إلى أيرلندا من لبنان عندما كانت فتاة صغيرة، وعن تجربتها، ومعايير الجمال الغربية، ورحلتها إلى قبول الذات.
تقول نور:
عندما انتقلت أنا وأمي وأختي من لبنان إلى دبلن، كنت لا أزال صغيرة لدرجة أن الحياة في أيرلندا هي كل ما يمكنني تذكره. وعندما كبرت، أزعجني أنني اضطررت إلى الانتظار لسنوات عديدة للحصول على الجنسية الأيرلندية، فقط لإثبات انتمائي إلى البلد الوحيد الذي شعرت بأنه وطني.
عندما وفدنا لأول مرة إلى أيرلندا ، كنت أنا وأختي نالا عربيتان تماما، ولم يستغرق الأمر وقتًا طويلاً لإدراك المشكلات التي تأتي مع تلك الهوية.
ومثل معظم الأطفال الذين يتحدثون لغتين في الرابعة من العمر، لم أستطع التفريق تمامًا بين العربية والإنجليزية، وخلال الأسابيع القليلة الأولى من المدرسة، غالبًا ما كنت أتحول بين اللغتين عن غير قصد، وفي كل مرة أثير السخرية، أما نالا فكانت في السادسة من عمرها في ذلك الوقت وكانت تتحكم بشكل أفضل في حديثها واستخدامها للغة، لكن على العكس مني، تتمتع نالا بملامح عربية تماما، حيث الشعر الداكن والبشرة والعيون الداكنة، وقد كانوا يطلقون عليها اسم “باكي”.

وفي محاولاتنا الدؤوب للتماهي مع البيئة المحيطة وتجاوز المشكلات النابعة من اختلاف الجنسية، انغمست نالا في تنسيق مظهرها بما يتناسب مع معايير الجمال الايرلندية، و بدأت في تقليد نظرائها بارتداء أحذية Ugg و سراويل Juicy Couture ، لكنها سرعان ما أصبحت بعد حين بمثابة مبتدعة لاتجاهات الموضة في المدرسة، أما أنا فقد كرست نفسي لتعلم اللغة الايرلندية، وانغمست في القراءة والكتابة وأحطت نفسي باللغة الأيرلندية ، حتى صرت اتنافس في المناظرات ومسابقات الشعر، إلى أن حصلت على درجة A باللغة الأيرلندية.
وأخيرا، وأنا في الـ 13 من العمر، حصلنا على الجنسية الأيرلندية وبتنا مواطنين أيرلنديين، وهكذا اجتمع ثلاثتنا، أنا وأختي وأمي، في سيارة أمي النيسان مبكرا وانطلقنا لأول مرة دون قيود على التحرك والسفر.
ولكن في تلك الاثناء كانت أمي تبحث بين الأوراق، وسقطت ورقة منها على ركبتي، وبطبيعة الحال انجذبت عيني فورا إلى كلمة Gaeilge – شهادة الجنسية، وكانت لنالا، ونصها: “هذا إقرار بأن نالا غنطوس مواطنة إيرلندية ولدت في ليبيا”. هنا شعرت بارتباك، فقرأتها مرة أخرى: “Li-bi-ia“… “هذا ليس صحيحًا” ، هكذا قلت لأمي التي ظنت في البداية أن كلمة لبنان تبدو مثل ليبيا في اللغة الأيرلندية، لكنني لم أشك في ذلك قط بحكم إجادتي للغة الأيرلندية، حيث يجب أن تقرأ : “Liobáin“.
كانت المفارقة شديدة، لقد شعرت بأنني غريبة عن اللغة التي كرست نفسي لها، تلك التي درست بدقة كافة مشتقاتها وأصولها، وعلمت مدى أهميتها في الحفاظ على الثقافة الأيرلندية. لكن على أية حال، لقد أدركت أن حبي لهذه الأمة جاء بلا مقابل.

في الحقيقة، كان أكثر ما يزعجني انني، بحكم كوني لست بيضاء، لن أكون ايرلندية بالمعنى الحقيقي أبدا، وسأظل دائمًا غريبة عن الإيرلنديين، حتى وكان لدي جواز سفر ، أو أتقن اللغة الغيلية ، أو لهجة دبلن، لأن “الأيرلندي” مصطلح يجسد العرق والجنسية ، ومن ثم يمكنك أن تكون مواطنًا أيرلنديًا ، ولكن ما لم يكن ذلك في دمك ، فلا يمكنك أبدًا أن تكون “إيرلنديًا”. وهكذا أدركت أن الحمض النووي الخاص بي هو شيء لا يمكنني تغييره. إلا انني لم أعد أرغب في ذلك.
ومع هذا، فإن فمع تزايد معرفتي لسنوات القهر والحرمان التي واجهها الشعب الأيرلندي، أدركت أن أصدقائي الأيرلنديون البيض ليسوا مختلفين عني.
إلا أن الأمر الذي يشعرني بالإحباط فيتمثل في تعريف “الأيرلنديين البيض” كمجموعة عرقية، مما يترك مجالًا للتمييز ضد الأيرلنديين غير البيض، والأكثر من ذلك، إدراج كلمة “عربي” بمفردها تحت بند “أخرى”.
وعلى أية حال، في الوقت الذي فشلت فيه اللغة في الترحيب بالوافدين الجدد، فإن معايير الجمال الأيرلندية توسعت لتشمل العديد من المعايير الأجنبية، وأخذت التعددية الثقافية في النمو في أيرلندا ككل ودبلن على وجه الخصوص، سواء أحب ذلك القوميون أم لا. لقد نسجت المجتمعات ذات الأصول الوافدة المختلفة خيوطها في نسيج البلاد.
خذ مثلا يوم القديس باتريك – والذي يعد حدثا معروفًا عالميًا باعتباره احتفالًا بالثقافة الأيرلندية – كمثال، فعلى مدار سنوات، لم تعد المسيرات في جميع أنحاء أيرلندا تقتصر على الموسيقى التقليدية والرقصات الأيرلندية فحسب، بل باتت تضم أيضًا رقصات البنجاب وغرب إفريقيا.
في الواقع لا يمكن إنكار الثقافة الدولية في أيرلندا ، وهو ما يبدو أنه ينعكس في صناعة الجمال والأزياء الأيرلندية.

ومع هذا فإن الاتجاه المتزايد للتأثيرات الثقافية غير البيضاء في مجال الجمال والموضة يبدو مقبولاً فقط حيث يتم تقديمه من مؤثرين من البيض.
عندما كنت في المدرسة، كانت الفتيات يخبرنني كم يشعرن بالغيرة من لوني الأسمر، بينما يضحكن في نفس الوقت على طول حاجبي، ويسخرن من أنفي الشرق أوسطي، كما كن يتحدثن عن رغبتهن في أن يكون لديهن منحنيات جسدية مثل كيم كارداشيان.
في عالم الجمال، عندما يتبنى المؤثرون البيض جوانب من الجمال “العرقي” ، فإن الأمر لا يتعلق بتقدير الثقافة النابع منها تلك الجوانب بقدر ما يتعلق بامتلاكها وتحويلها إلى علامة تجارية خاصة بهؤلاء المؤثرين؛ ومن ثم وبسبب ذلك التمايز “الأبيض” بات للمؤثرين القدرة على انتقاء واختيار الجوانب الجمالية التي يريدونها ، تاركين وراءهم الخصائص الثقافية الخاصة بها؛ وهو ما يتركنا في وضع غير مريح ومنطقة رمادية غامضة كجماعات ليست بيضاء بما يكفي، وفي ذات الوقت ليست إثنية عرقية واضحة ومحددة.
طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وحتى الآن ، دأبت طالبات المدارس والشابات الأيرلنديات الشابات باستخدام مواد وأصباغ جلدية لتغميق لون بشرتهن، اما أنا فلم أكن أهتم لذلك أو أشعر بحاجتي لأن تكون بشرتي”برتقالية جدًا”.
لكن الأمر كان مختلفًا بالنسبة لنالا نظرًا لكونها أكثر سمرة من أصدقائها، ولم أفهم أبدًا سبب شعورها بالحاجة إلى تغيير لون بشرتها، وحين كنت أصغر سنا، اعتقدت أن السبب في ذلك هو أنها نسيت أنها عربية ، وأنها تعتقد أنها أيرلندية، لكن الحقيقة هو أنها كانت تشعر بأنها في تلك المنطقة الرمادية.
من بين المشكلات اللانهائية التي تأتي مع الاستيلاء الثقافي أن يتم الاستحواذ على صورة شخص ما وتحويلها إلى شيء آخر يتعذر عليه تحقيقه أو الوصول إليه، تتحدث إيما دابيري ، مؤلفة كتاب “لا تلمس شعري وما يمكن أن يفعله البيض بعد ذلك” ، عن الفرق بين التقدير الثقافي والاستيلاء، حيث تقول :
“مثلما هو الحال لفهم العنصرية، يتطلب فهم ما هو الاستيلاء وما هو غير الاستيلاء تحليل القوة. يعمل الاستيلاء الثقافي كجزء من ديناميكية القوة الهيكلية حيث ينتمي الفاعلون مجموعة مميزة. تستخرج هذه المجموعة وبشكل منهجي الموارد الثقافية المميزة لمجموعة تابعة، ماحيةً مشاركة المجموعة التابعة “.
إن الفتيات اللواتي يستخدمن مواد تغيير لون البشرة في الواقع لا يمارسن استيلاء ثقافي، في رأيي، وإنما يحاولن تعزيز شعورهن بالانتماء والقبول في المجتمع المحيط، ويتطلعن إلى المشاهير والمؤثرين المفضلين لديهن كمرجع، ولا يحاولن الظهور بمظهر عرقي، وانما يحاولن الظهور مثل المؤثرين البيض الذين يحاولون الظهور بمظهر عرقي.
تقول دابيري : “تصبح المجموعة ذات الامتيازات الهيكلية هي المستفيد الأول (المالي) من ابتكار لم يكن ابتكارهم.” أي أنهم بدلاً من استخدام منصاتهم ومتابعيهم لإبراز أصوات الأقليات والمهمشين، يختار هؤلاء المؤثرون استعارة مظهر تلك الأقليات من أجل جني الأرباح.

لسنوات، سعيت وراء التماهي في الهوية الأيرلندية واقناع الآخرين ونفسي بأنني انتمى إلى أيرلندا، وهو ما كان يعني إخفاء جزء كبير من حقيقتي وما أنا عليه، سواء بجعل أصدقائي يعتقدون بأن لدي أحد الوالدين الأيرلنديين أو صبغ شعري وتفتيح لونه. وقد استغرق الأمر سنوات كي أتساءل: لماذا اعتقد أن التحقق الخارجي من شأنه أن يمنحني هوية؟ ، وبمجرد أن فعلت ذلك ، أدركت أن القبول الحقيقي يأتي من الداخل لا من الخارج.
لقد كان لنشأتي في دبلن صعوباتها بالنسبة لي بسبب معايير الجمال التي لا يمكن بلوغها، والخطاب السلبي المحيط بالأجانب، ومع ذلك ، فقد أدركت أن التوقعات المجتمعية التي تجعل الأشخاص الملونين يشعرون بعدم الكفاءة لها تأثير مشابه على معظم الأشخاص الآخرين أيضًا.
أخيرا، كان لعدم كوني بيضاء البشرة الفضل في أن أدركت أن بعض المعايير لا يمكن تحقيقها حقًا، وأنني أستطيع التوقف عن محاولة السعي وراء تحقيقها، وأدركت كذلك أن لدي هوية فريدة. لقد رأيت أصدقائي البيض يكافحون مثلما فعلت في سن أصغر من أجل بلوغ تلك المعايير، إن وجود اختلافاتي تلك لم تترك لي أي خيار سوى قبول فرديتي والتخلي عن رغبتي في التماهي، وهي الميزة التي لم يحظ أصدقائي البيض بها.
تم ترجمة ونشر هذا المقال بتعاون مع Lacuna Magazine
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0