22 23
Slide showأخبار أيرلنداالهجرة واللجوء

تشديد قوانين الهجرة في بريطانيا يضع ضغوطًا جديدة على نظام اللجوء في إيرلندا

Advertisements

 

كانت شابة هادئة الملامح تجر حقيبة سفر كبيرة صعودًا في شارع «ماونت ستريت» في قلب دبلن باتجاه «مكتب الحماية الدولية»، في محطتها الأخيرة بعد رحلة طويلة من جنوب أفريقيا مرورًا ببريطانيا، سعيًا لطلب اللجوء في إيرلندا كلاجئة.

وقالت بهدوء قبل أن تدخل المبنى: «سمعت أن الوضع هنا أفضل مقارنةً بالمملكة المتحدة، وهناك القوانين تتغير طوال الوقت»، ثم تابعت طريقها إلى الداخل لتبدأ محاولتها في بناء حياة جديدة.

الكثير، لكن ليس جميع من قابلتهم صحيفة «The Irish Times» هذا الأسبوع أثناء انتظارهم للدخول إلى المكتب، وصلوا إلى إيرلندا عبر «منطقة السفر المشتركة» مع بريطانيا، وهو المسار الذي تقول الحكومة إن نسبة كبيرة من طالبي الحماية الدوليين يستخدمونه للوصول إلى الدولة. «منطقة السفر المشتركة» هي ترتيب قديم يتيح سهولة التنقل بين إيرلندا والمملكة المتحدة.

وقد عبّرت الحكومة عن قلقها من أن الخطة التي أعلنها هذا الأسبوع رئيس الوزراء البريطاني «كير ستارمر» لتشديد سياسة الهجرة في المملكة المتحدة قد تدفع مزيدًا من الأشخاص إلى التوجه إلى جمهورية إيرلندا لتقديم طلبات اللجوء، مستفيدين من إمكانية السفر من بريطانيا إلى الجنوب عبر أيرلندا الشمالية.

وقال وزير العدل، جيم أوكالاهان هذا الأسبوع: «أنا ملتزم بضمان ألا تُعتبَر إيرلندا أكثر تفضيلاً من المملكة المتحدة بالنسبة لمن يسعون لتقديم طلب لجوء».

وكلٌّ من الحكومتين الإيرلندية والبريطانية تنطلقان من افتراض أن طالبي اللجوء يتحركون مدفوعين بـ«عوامل جذب» تتعلق بظروف أفضل أو تشريعات أكثر ملاءمة، وأنهم يختارون الوجهة بناء على هذه العوامل.

لكن «سينيد مارميون»، وهي محامية هجرة في مكتب «فينيكس لو» في بلفاست، لا تتفق مع هذا التصور؛ إذ تشير إلى أن الكثير من موكليها من ضحايا الاتجار بالبشر، يُنقلون ويتم تشغيلهم في صالونات تجميل أو في مزارع للقنّب، ويُجبرون على العمل لسداد ديون يدّعي المتاجرون أنهم مدينون بها.

وتقول مارميون: «في كثير من الأحيان لا يكون لدى هؤلاء الأشخاص أي سيطرة على رحلتهم ولا يعرفون أين سينتهي بهم المطاف، بحسب خبرتي. هناك أشخاص لا فكرة لديهم عن المكان الذي يوجدون فيه». وتضيف: «في رأيي، فكرة عوامل الجذب هي في الأساس مجرد خرافة».

ومع ذلك، يبدو أن بعض الأشخاص ينتقلون إلى إيرلندا عندما لا تسير أمورهم كما في المملكة المتحدة.

زوجان من بيلاروسيا كانا يبدوان عازمين ومفعمين بالأمل وهما يتجهان نحو باب «مكتب الحماية الدولية» هذا الأسبوع وأيديهما متشابكة بإحكام.

وقال الرجل: «كنا في اسكتلندا، لكن اسكتلندا فرّقت بيننا. نحن أسرة». وأوضح أنهما غادرا موطنهما لأن منطقتهم أصبحت تحت سيطرة القوات الروسية بعد الغزو الذي تعرّضت له أوكرانيا المجاورة.

شابّة ذات شعر أسود من فيتنام كانت ترتجف من البرد وهي تنتظر الدخول. سُئلت: لماذا اخترتِ إيرلندا؟ فأجابت بالإنجليزية المكسّرة: «لندن لا، ليست جيدة». وعن كيفية وصولها، قالت: «بلفاست»، ثم كتبت عبارة على تطبيق للترجمة وعرضت هاتفها، فظهر النص: «ركبت العبّارة».

في ظل تصاعد حدة الخطاب السياسي بعد الاحتجاجات أمام مراكز الإيواء، عرضت الحكومة الإيرلندية استخدام هذا المسار عبر «منطقة السفر المشتركة» على أنه «إساءة استخدام» للنظام و«استغلال غير قانوني» للترتيب القائم بين الطرفين.

هذه الرواية ترفضها منظمات حقوقية تعمل مع اللاجئين.

ويقول «جون لانون»، الرئيس التنفيذي لمنظمة «Doras» المعنية بحقوق المهاجرين: «بموجب القانون الدولي، يحق لكل شخص طلب اللجوء بمجرد أن يكون على أراضي دولة ما، وطريقة وصوله لا تلغي هذا الحق».

في جميع الأحوال، تمضي إيرلندا والمملكة المتحدة في طريقين مختلفين في ما يتعلق بقانون اللجوء والهجرة، بطرق قد تكون لها تبعات معقدة على «منطقة السفر المشتركة». إيرلندا تعمل على تنفيذ الاتفاق الأوروبي الشاق الذي تم التوصل إليه بين دول الاتحاد الأوروبي، وهو «ميثاق الاتحاد الأوروبي للهجرة واللجوء»، والذي يهدف إلى تسريع البت في الطلبات، وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات عبر الحدود، وزيادة عمليات الترحيل.

أما المملكة المتحدة فتخطط لإعادة صياغة نظامها بطريقة مختلفة. تستلهم بعض أفكارها من سياسات طبّقتها دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكنها تتضمن أيضاً تغييرات قد تتعارض مع قانون الاتحاد الأوروبي أو مع معاهدات أقدم في مجال حقوق الإنسان.

ويزيد من تعقيد الوضع احتمال أن تواجه الحكومة البريطانية طعونًا قضائية على بعض هذه التغييرات، خصوصًا في أيرلندا الشمالية. فالمادة الثانية من «إطار وندسور»، وهو الترتيب الذي أعقب «بريكست» لأيرلندا الشمالية، تمنع التراجع عن بعض معايير المساواة وحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق طالبي اللجوء.

وكانت «المحكمة العليا» في أيرلندا الشمالية قد حكمت في 2024 بأن خطة بريطانية – تم التراجع عنها لاحقًا – لترحيل طالبي اللجوء إلى رواندا لا يمكن تطبيقها في الشمال لهذا السبب.

وتقول «أونا بويد»، وهي محامية هجرة في «لجنة إدارة العدالة» في بلفاست، وهي منظمة حقوقية مستقلة: «نتوقع أن أي إجراء من شأنه انتهاك إطار وندسور لن يُطبَّق في أنحاء المملكة المتحدة كلها».

وتستند الحكومة الإيرلندية في تقديرها لنسبة طالبي اللجوء الذين يصلون عبر أيرلندا الشمالية إلى مقارنة عدد الطلبات المقدَّمة في «مكتب الحماية الدولية» في وسط دبلن مع عدد الطلبات المسجّلة عند دخول الدولة عبر الموانئ والمطارات.

ووفق الأرقام المسجلة منذ بداية العام، مثّلت الطلبات التي قُدمت في مكتب الحماية الدولية 87% من إجمالي الطلبات، بينما قُدمت النسبة المتبقية في الموانئ والمطارات.

وتعتقد «وزارة العدل»، أن «نسبة كبيرة» من هؤلاء الذين يشكّلون الـ 87% دخلوا عبر الحدود البرّية، بناءً على «خبرة الموظفين والعاملين في الميدان، والمواد التي تُجمع أثناء المقابلات»، بحسب متحدث باسم الوزارة.

في الوقت نفسه، يستمر أيضًا انتقال طالبي اللجوء في الاتجاه المعاكس، إلى المملكة المتحدة عبر أيرلندا الشمالية.

وبحسب مارميون، توجد «مسارات تهريب راسخة» تمر عبر «مطار دبلن»، خصوصًا للأشخاص القادمين من الصومال والسودان وإريتريا الذين يسعون لدخول المملكة المتحدة.

وتقول: «أسمع هذا كثيرًا في روايات موكليّ، حيث يصلون إلى دبلن ثم يُنقلون بالسيارة ويُتركون أمام وزارة الداخلية في بلفاست».

وبخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لم تعد خاضعة للاتفاق الأوروبي الذي كان يسمح بإعادة طالب اللجوء إلى أول دولة أوروبية دخلها ليتم فحص طلبه هناك.

وفي عام 2020، توصّلت إيرلندا وبريطانيا إلى «ترتيبات تشغيلية غير ملزمة قانونيًا» لإعادة طالبي اللجوء إلى الجانب الآخر، وفق ما ذكرته وزارة الداخلية البريطانية العام الماضي.

ودعا حزب شين فين، الحكومة الإيرلندية إلى السعي لعقد اتفاق ثنائي رسمي مع المملكة المتحدة بشأن إعادة طالبي اللجوء. لكن بالنظر إلى الصعوبات التي واجهتها بريطانيا للتوصل إلى اتفاق مع فرنسا، والصعوبات بين دول الاتحاد الأوروبي نفسها في هذا الملف، يبدو أن أي مفاوضات ثنائية قد تكون شائكة، خاصة إذا خشيت إحدى الدول أن ينتهي بها الأمر إلى استقبال أعداد أكبر من الأشخاص كنتيجة للاتفاق.

ويقول النائب عن شين فين، مات كارثي، رئيس لجنة العدل والشؤون الداخلية والهجرة: «سواء كان الناس في بريطانيا قادمين من إيرلندا أو العكس، تخميني هو أن العدد الأكبر سيكون في هذه الدولة (إيرلندا) من أشخاص جاءوا من بريطانيا».

ويُطرح سؤال جوهري: هل لدى الحكومة البريطانية حرية أكبر من إيرلندا في تغيير قوانين اللجوء لأنها لم تعد جزءًا من الاتحاد الأوروبي؟ الإجابة، كما يوضح التقرير، هي «نعم ولا» في آن واحد.

وتقول الحكومة البريطانية إن «بريكست» أتاح لها جعل تقديم الدعم لطالبي اللجوء أمرًا تقديريًا وليس تلقائيًا، لأنها لم تعد ملزمة بقانون أوروبي صدر عام 2004، لكن في المقابل كانت المملكة المتحدة قد أقرّت تشريعًا داخليًا خاصًا بإيواء طالبي اللجوء يعود إلى عام 1999.

كما أشارت لندن إلى أن مقترحاتها تستلهم إجراءات اتخذتها دول أوروبية أخرى، مثل هولندا وفرنسا والنمسا والتشيك وبلجيكا. ويُعَدّ نموذج الدنمارك مصدرًا أساسيًا للأفكار البريطانية، إذ تتمتع كوبنهاغن بهامش أوسع من معظم الدول الأعضاء بفضل استثنائها من بعض التشريعات المشتركة في مجال الهجرة واللجوء.

إيرلندا بدورها لديها استثناء (opt-out) خاص بها في هذا المجال، لكنه مختلف نوعًا ما؛ إذ صُمّم بالأساس لحماية «منطقة السفر المشتركة» مع بريطانيا. ومع ذلك، قد لا يكون قانون الاتحاد الأوروبي هو العقبة الأكبر أمام الخطط البريطانية، بل منظومة أقدم من قوانين حقوق الإنسان، مثل «الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان» و«اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين»، التي تعود إلى ما قبل إنشاء الاتحاد الأوروبي.

وبعض الإجراءات التي أعلنتها الحكومة البريطانية قد لا يكون الهدف منها التنفيذ الفعلي بقدر ما هو إرسال رسائل ردع. فخلال العقد الماضي، اتبعت الدنمارك استراتيجية تقوم على تقديم صورة غير مرحِّبة باللاجئين، من خلال سن قوانين يُراد لها أن تبعث برسائل سياسية أكثر من استخدامها فعليًا. من ذلك «قانون المجوهرات» الذي أُقر في 2015، والذي يسمح للسلطات بمصادرة مقتنيات اللاجئين الثمينة للمساهمة في تكلفة إقامتهم. وروّجت الحكومة الدنماركية لهذا القانون عبر إعلانات في وسائل إعلام لبنانية، في رسالة ردع موجهة للاجئين السوريين. لكن الأرقام الرسمية تُظهر أن استخدام هذا القانون كان محدودًا للغاية، وفي بعض السنوات لم يُستخدم إطلاقًا.

الصورة الأوسع هي أن المملكة المتحدة ليست حالة شاذة؛ فجهود تشديد قوانين اللجوء جارية في مختلف أنحاء أوروبا، متأثرة بصعود السياسات المناهضة للهجرة خلال العقد الأخير. وإيرلندا تبدو هي الأخرى في طريقها إلى الاتجاه نفسه.

 

المصدر: Irish Times

هذا المحتوى محمي بموجب حقوق الطبع والنشر. لا يُسمح بإعادة نشره أو استخدامه لأغراض تجارية بدون إذن مسبق

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

A Zeno.FM Station
زر الذهاب إلى الأعلى

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

يرجى السماح بعرض الإعلانات

يرجى السماح بعرض الإعلانات على موقعنا الإلكتروني يبدو أنك تستخدم أداة لحظر الإعلانات. نحن نعتمد على الإعلانات كمصدر تمويل لموقعنا الإلكتروني.