22 23
Slide showكتاب وأراء

قيس رملي يكتب .. طوابير الموت

Advertisements

بقلم: قيس رملي

طوابيرُ المساعدات…
طوابيرُ الطعام…
طوابيرُ الذلّ…
طوابيرُ الموتِ اليومي.
مشهدٌ ينحرُ قلبَ كلّ مَن بقيَ فيه ضميرٌ ينبض في هذا العالم.

أن تحملَ دلوًا صدئًا، لم يذق طعمَ الماء منذ شهور، ولم يمتلئ يومًا بما يسدّ جوعًا،
هو أن تمسكَ روحَكَ في كفّكَ، لا تدري متى تسقط، ولا بأي ذنبٍ تُسلب.

رجلٌ مسنّ، تجاعيدُ وجههِ خرائطُ قهرٍ، يقفُ في طابورٍ لا نهاية له،
تحتَ شمسٍ حارقةٍ لا ترحم،
يحملُ وعاءً أحمر، كأنه يحملُ جرحَهُ الأخير.
ينوءُ به جسدُهُ من التعبِ والجوع،
ثم يسقطُ ميتًا قبل أن يبلغَ دوره.

بين مئاتِ الآلافِ من الجياع،
تقفُ امرأةٌ يلفُّ جسدَها النحيلَ قماشٌ بالٍ،
تحملُ وعاءً صغيرًا لطفلتها ذاتِ الأعوامِ الثلاثة.
تقتربُ منها فتاةٌ بخطى خجولة، تسألُ بصوتٍ مكسور:
– كم عليّ أن أنتظر؟ هذه مرّتي الأولى.
تردُّ المرأةُ بهدوءٍ كهدوءِ الموتى:
– ولماذا هي الأولى؟
تهمسُ الفتاة، ودموعُها تحفرُ مجرى على خديها:
– كانت أمي تأتي كل يوم .
بعد أن ماتَ أبي قبل شهر. أعمامي أيضًا قُتلوا هنا، في هذه الطوابير. لم يتبقَّ من عائلة “دغمش” إلا ثلاثة. كنّا ٦٥٨ انساناً … كنّا وطنًا.

تواصلُ وهي تشهق:
– وأنا أرعى توأمين لم يتجاوزا العام. أمي ماتت بالأمس… قتلها ذاك الجندي الواقفُ هناك. هل ترينه؟ إنه يضحكُ الآن، يسخرُ من جوعنا.

لا تجيبُ المرأة…
فالموتُ في غزة صارَ حدثًا عاديًا، يُذاعُ في كلِّ لحظة.
لم يعد الموتُ ألمًا، بل صارَ حلمًا بعيدَ المنال.
يُروى كأنه نشرةُ أسعارٍ في بورصة “وول ستريت”،
باردًا، متكررًا، لا يثيرُ دهشةَ أحد.

تقولُ لها المرأةُ بصوتٍ خافتٍ كحفيفِ الأرواح:
– ربما تنتظرين عشرَ ساعات… أو يزيد. لو كنتُ أملكُ شيئًا، لمنحتُكِ إياه يا ابنتي. لقد أبادونا كما تُبادُ الحشراتُ الضارّة. هل تدرين كم يومًا بقي لنا حتى نموتَ جميعًا؟ أظنّها أيامًا معدودة.

تبكي الفتاةُ وتهمس:
– إخوتي لم يذوقوا طعامًا منذ أول أمس…

تتركُ وعاءَها، وتركضُ نحو الجندي.
في رأسها الصغير حلمٌ واحد: قطعةُ خبزٍ للرضيعين.
خبزٌ وماء… هذا كلُّ ما في الكون.
رفعت عينيها البريئتين نحوه،
حتى يرى الجندي — ذاك الذي قتلَ أمَّها — فتاةً صغيرةً تجري بقدميها الحافيتين.
كلُّ ما أرادتهُ هو أن يستيقظَ فيه قلبٌ يرحمها وإخوتها الجائعين.
لكن لا قلبَ للجندي.

يصوّبُ بندقيته.
يطلقُ النار.
تسقطُ الفتاة.
وبعد ساعاتٍ من بكاء الجوعِ والخوف،
يموتُ التوأمان معها… في بيتهما الصامت، البارد.

تنتهي العائلة… مثلما انتهت كلُّ العائلات.
يُشطبُ اسمها من السجلِّ المدني،
كما شُطبت أسماءُ آلافٍ قبلها.

في غزة،
يُقتلُ كلَّ يوم:
الأطفال،
النساء،
الشيوخ،
الرجال.

نستفيقُ على أرقامٍ تتراقصُ كالأشباح:
أحيانًا تزيدُ عن الخمسين،
وأحيانًا تقلُّ عن الأربعمئة.
ومنذ واحدٍ وعشرين شهرًا،
والموتُ رفيقُنا الذي لا يفارقنا.

نحن،
المواطنون،
أصحابُ الأرض،
أبناءُ الحقولِ التي ارتوت من دمائِنا
أكثرَ مما ارتوت من ماءِ السماء.

وهذا العالمُ القذر،
يقفُ متفرّجًا ويبتسم.
كُتبَ على جبينه:
“ممنوع الاقتراب من هذا الكيان الغاصب”.

يصيحُ السيّدُ الأبيضُ من خلفِ شاشاتهِ البلّورية:
“الدفاعُ عن النفس… حقٌّ مقدّس”.
ثم يهمسُ في أذنِ العالم:
“لكن ليس للفلسطينيين”.

هذا المحتوى محمي بموجب حقوق الطبع والنشر. لا يُسمح بإعادة نشره أو استخدامه لأغراض تجارية بدون إذن مسبق

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

A Zeno.FM Station
زر الذهاب إلى الأعلى

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

يرجى السماح بعرض الإعلانات

يرجى السماح بعرض الإعلانات على موقعنا الإلكتروني يبدو أنك تستخدم أداة لحظر الإعلانات. نحن نعتمد على الإعلانات كمصدر تمويل لموقعنا الإلكتروني.