مشاهد نادرة من أكبر عملية ترحيل في إيرلندا: رحلة خاصة أقلّت 52 مواطنًا جورجيًا من دبلن إلى تبليسي
لم يكن غريبًا رؤية طفل يحمل دميته القماشية في مطار، لكن المشهد بدا مختلفًا حين كان الطفل يشدّ على دمية تركوازية بينما يسير نحو الترحيل برفقة والدته التي تحمل رضيعًا وتغطي رأسه بسترة تحميه من البرد. كانت خطواتهم بطيئة، وعيون الأم شاردة، ربما منشغلة بما ينتظر أطفالها بعد مغادرة إيرلندا.
في سابقة هي الأولى من نوعها، سمحت «الشرطة» لصحيفة «Irish Examiner» بحضور ومتابعة عملية ترحيل كاملة، لتكشف جانبًا نادرًا من أكثر مراحل نظام اللجوء حساسية وتعقيدًا.
الرحلة التي وُجهت إلى العاصمة الجورجية تبليسي في 11/03 حملت على متنها 52 شخصًا من جورجيا، بينهم 3 عائلات تضم أمهات و7 أطفال، يرافقهم 117 فردًا من الشرطة، إلى جانب طاقم طبي ومترجم ومراقب مستقل لحقوق الإنسان. وكانت هذه الرحلة ثمرة عملية معقدة استمرت أشهرًا من المتابعة، التخطيط، وتحديد المواقع، والقبض، ومراجعة الملفات القانونية.
وتبدأ العملية داخل المكتب الوطني للهجرة (GNIB)، حيث يقود (Detective Superintendent David Kennedy) التخطيط لعملية «Trench 11»، وهي إحدى الرحلات المستأجرة التي تنظمها الدولة لإعادة أشخاص صدرت بحقهم أوامر ترحيل بعد استنفاد جميع مراحل اللجوء والطعون القانونية.
ويؤكد المفتش ديفيد كينيدي، أن دور الشرطة يبدأ فقط بعد توقيع وزير العدل أمر الترحيل، حين يصبح التنفيذ «واجبًا لا تملك الشرطة حياله أي سلطة تقدير».
تنقسم العملية إلى عدة مراحل:
جمع المعلومات، تحديد الأماكن، مداهمات فجْرية للقبض على المطلوبين، تقييم المخاطر، إعداد الوثائق، التنسيق مع السفارات، والتواصل الحساس مع العائلات.
ويشير كينيدي إلى أن «الغالبية العظمى» ممن صدرت بحقهم أوامر ترحيل لا يحضرون طواعية، ويصبحون «متوارين»، مما يتطلب ملاحقتهم عبر فرق متخصصة.
في أحد أيام المداهمات، تم العثور على مجموعة من الجورجيين مختبئين في كرافانات داخل موقع للرحّل في شمال دبلن. حاول أحدهم الهرب فأصيب أحد أفراد الشرطة وسقط أرضًا، لكن العملية انتهت بالقبض على الجميع.
وداخل الخطة، تُعامل العائلات بحساسية خاصة: ملابس مدنية، سيارات غير مميزة، توفير طعام وألعاب للأطفال في المطار، حتى شراء وجبات «McDonald’s» نظرًا لرفض الأطفال طعام الرحلات السابق. وتُمنح كل أسرة «ساعتين إلى ثلاث ساعات» لحزم الأمتعة استعدادًا لمغادرة البلاد.
في غرفة مخصصة للعائلات في مركز شرطة مطار دبلن، بدا المشهد هادئًا: أطفال يلعبون، مراهقون يحدقون في هواتفهم، وأمهات يتحدثن مع المترجم. المراقب الحقوقي أكد أن الأجواء كانت «هادئة نسبيًا»، مع وجود حالة واحدة فقط من التوتر.
على الجانب الآخر، كانت الشرطة تراجع ملفات المحتجزين في السجون، وأماكن جلوس كل شخص على الطائرة، وعدد المرافقين المناسب بناءً على مستوى الخطر. فمن يُعتبر خطره منخفضًا يحتاج إلى مرافِقين اثنين، والمتوسط إلى ثلاثة، بينما قد يحتاج مرتفعو الخطورة إلى أربعة.
عمليات الترحيل تجري أيضًا وسط سياق سياسي محتدم في البلاد، خصوصًا بعد أعمال الشغب الأخيرة في «سيتي ويست» عقب حادثة اعتداء جنسي على طفلة اتُّهم فيها رجل رُفض طلب لجوئه وكان خاضعًا لأمر ترحيل، ما غذّى موجات احتجاجات قادتها مجموعات يمينية متطرفة، استخدمت الحادثة كوقود لخطابات الكراهية والتحريض ضد طالبي اللجوء المهاجرين.
ورغم الضغوط، تقول الشرطة إن دورها «تنفيذ القانون فقط»، وإنهم لا يمارسون أساليب مداهمات شبيهة بأسلوب «ICE» الأمريكي، بل يتحركون بعد مسارات طويلة من الإجراءات القانونية، وعرض العودة الطوعية، والمراجعات الرسمية.
ومع اقتراب لحظة المغادرة، تبدّلت الخطط: أسرة اختفت من مركز إقامتها، وأخرى غادرت الفندق إلى «Airbnb»، وثالثة استبعدت بسبب أوضاع قانونية حساسة. لكن في النهاية، اكتمل اصطفاف الحافلات والعربات عند بوابة «Gate 9» خلف المطار، وبدأت عملية إدخال المرحلين واحدًا تلو الآخر وسط رياح قوية وفريق كبير من الشرطة يحيط بالسلم المؤدي للطائرة.
وأغلب الأشخاص صعدوا بهدوء، بل إن بعضهم تبادل مزاحًا خفيفًا مع رجال الشرطة، باستثناء حالة واحدة: رجل صرخ بقوة «No, no, no» عندما مُنع من استخدام هاتفه، فتم وضعه على مرتبة زرقاء على الأرض لمنع إصابته قبل حمله إلى داخل الطائرة، ليهدأ لاحقًا بعدما حصل على هاتفه داخل المقعد.
بعد اكتمال الصعود، أقلعت الطائرة في طريقها إلى تبليسي، تاركة خلفها رحلة طويلة من الإجراءات الأمنية والقانونية والإنسانية، بينما بدأ المكتب الوطني للهجرة التحضير لثلاث رحلات أخرى مقررة خلال أشهر 1 و2 و3 المقبلين.
المصدر: Irish Examiner
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0








