تفشي فيروس «هانتا» يشعل موجة جديدة من نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة عبر الإنترنت
خلال دقائق فقط من ظهور تقارير تتحدث عن تفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة الرحلات البحرية «MV Hondius»، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بسيل من نظريات المؤامرة، والسرديات المعاد تدويرها من جائحة «كوفيد-19»، إلى جانب ادعاءات مضللة انتشرت بسرعة واسعة.
وكانت السفينة، التي ترفع العلم الهولندي، قد وصلت إلى وجهتها النهائية في «روتردام» بعد تفشٍ مميت أسفر عن وفاة 3 أشخاص.
وسرعان ما انتشرت منشورات تصف التفشي بأنه «كوفيد 2.0» عبر منصات «إكس» و«تيك توك» و«تيليجرام» و«Reddit»، مستعيدة سرديات المؤامرة التي ظهرت خلال جائحة فيروس كورونا.
وجاءت بعض أكثر المنشورات تداولًا من شخصيات معروفة بترويج نظريات المؤامرة وتمتلك جماهير واسعة على الإنترنت.
ومن بين هؤلاء الأمريكي «أليكس جونز»، الذي يتابعه أكثر من 4 ملايين شخص على منصة «إكس»، حيث وصف التفشي بأنه «جائحة مخططة»، قبل أن يزعم لاحقًا أن الفيروس «سلاح بيولوجي».
وأصبح مصطلح «جائحة مخططة» مرتبطًا على نطاق واسع بفيلم «Plandemic»، وهو فيديو فيروسي مدته 26 دقيقة صدر في شهر 2020/05، وروّج لادعاءات كاذبة ومضللة حول «كوفيد-19»، واللقاحات، والكمامات، ومسؤولي الصحة العامة.
ويُعرف «أليكس جونز» أيضًا بادعائه الكاذب بأن حادث إطلاق النار في مدرسة «ساندي هوك» عام 2012 كان مفبركًا باستخدام ما يسمى «ممثلين الأزمة»، وهي نظرية مؤامرة أدت لاحقًا إلى صدور أحكام قضائية ضخمة ضده في قضايا تشهير.
كما ربط جونز تفشي فيروس «هانتا» بالحرب مع إيران، وادعى أن «العولميين» يطلقون «كوفيد 2.0».
وفي دوائر المؤامرة، يُستخدم مصطلح «العولمي» غالبًا للإشارة إلى نخبة سرية مزعومة يُتهم أفرادها بالتلاعب بالأحداث العالمية لإضعاف الحكومات الوطنية وفرض سيطرة عالمية.
وفي حديثه لبرنامج «RTÉ Clarity»، قال العالم والباحث في المعلومات المضللة الدكتور «ديفيد روبرت غرايمز» إن شخصيات مثل جونز تستند إلى نمط قديم ومعروف، حيث تؤدي الأوبئة المعدية إلى خلق بيئة خصبة لـ«التفكير التآمري».
وأوضح: «عندما يحدث تفشٍ كبير لمرض معدٍ، تظهر دائمًا رواية تقول إن الأمر كان مخططًا له، وأن هناك من تسبب فيه».
وأضاف: «فجأة يصبح الحدث متمركزًا حول وجود جهة مسؤولة، وهذا أمر يجذب كثيرًا من الناس، لأنهم يفضلون الاعتقاد بوجود شخص أو جهة مسؤولة بدلًا من تقبل أن أحداثًا عشوائية قد تؤدي إلى تفشيات مرضية».
ويرتبط التفشي الحالي بسلالة «أنديز» من فيروس «هانتا»، وقد أدى إلى تسجيل 9 حالات مؤكدة و3 وفيات بين ركاب السفينة التي عبرت جنوب المحيط الأطلسي بعد مغادرتها الأرجنتين.
وشددت السلطات الصحية في إيرلندا ودول أخرى مرارًا على أن الخطر على عامة السكان لا يزال «منخفضًا جدًا»، وأن هذا التفشي لا يُقارن بجائحة «كوفيد-19».
لكن على الإنترنت، ظهر نمط مألوف سريعًا، مع انتشار نظريات مؤامرة متعددة.
وادعى أحد الحسابات التي يتابعها أكثر من مليوني شخص على «إكس» أن تفشي فيروس «هانتا» على السفينة كان «عملية نفسية ضخمة»، وهو مصطلح يُستخدم عبر الإنترنت للإشارة إلى أن الأحداث مُفبركة أو يتم التلاعب بها للتأثير على الرأي العام.
كما انزلقت بعض المنشورات إلى خطاب مؤامراتي معادٍ للسامية، إذ زعمت زورًا أن كلمة «hanta» مرتبطة بكلمة عامية عبرية تعني «خدعة» أو «احتيال»، واستخدمت ذلك لترويج فكرة أن التفشي مُختلق.
ورد روبوت الذكاء الاصطناعي «Grok» التابع لمنصة «إكس» في البداية على استفسارات بعض المستخدمين بتأكيد هذا الادعاء، قبل أن يصحح نفسه لاحقًا موضحًا أن الكلمة تم الخلط بينها وبين «khartah» أو «chartah»، وهي كلمة عامية عبرية ذات أصل عربي.
ولا علاقة لاسم «هانتا فيروس» باللغة العبرية، إذ يعود أصل التسمية إلى «فيروس هانتان»، نسبة إلى منطقة «نهر هانتان» في كوريا الجنوبية، حيث تم اكتشافه خلال سبعينيات القرن الماضي.
وزعم مؤثرون آخرون زورًا أن تفشي الفيروس جرى تضخيمه لصرف الانتباه عن تحقيق جنائي منفصل يتعلق بعاملين على سفن «Disney Cruise Line» في الولايات المتحدة، رغم عدم وجود أي دليل يربط بين الحادثتين.
كما انتشرت منشورات على نطاق واسع تزعم وجود صلة بين فيروس «هانتا» ولقاح «Pfizer-BioNTech» المضاد لـ«كوفيد-19»، عبر تفسير مضلل لوثائق مراقبة السلامة الخاصة باللقاحات.
لكن وكالة «رويترز» أوضحت أن الإصابة بفيروس «هانتا» وردت ضمن قائمة «الأحداث السلبية ذات الاهتمام الخاص» التي تتم مراقبتها بعد التطعيم، وليس ضمن قائمة الآثار الجانبية المثبتة علميًا الناتجة عن اللقاح.
وتُستخدم هذه القوائم عادةً في التجارب السريرية لمتابعة أي أحداث صحية محتملة، سواء ارتبطت باللقاح أم لا.
ورغم أن السلالة التي جرى تحديدها في تفشي «MV Hondius» يمكن أن تنتقل بين البشر، فإنه لا يوجد أي دليل يربط العدوى بفيروس «هانتا» بتطعيمات «كوفيد-19».
وفي تصريحات أدلت بها هذا الشهر، سعت مديرة الاستعداد للأوبئة والجوائح في «منظمة الصحة العالمية» «ماريا فان كيركوف» إلى مواجهة المقارنات مع «كوفيد-19».
وقالت: «هذا فيروس مختلف تمامًا، نحن نعرف هذا الفيروس، ونعلم أن فيروس هانتا موجود منذ فترة طويلة، وهناك الكثير من المعلومات المتوفرة عنه».
وأضافت: «هذا ليس SARS-CoV-2، وهذه ليست بداية جائحة كوفيد جديدة، بل تفشٍ حدث على متن سفينة، في مساحة محدودة ومغلقة».
كما أشار مستخدمون على مواقع التواصل إلى تدريبات محاكاة سابقة للأوبئة أجرتها «منظمة الصحة العالمية» باعتبارها دليلًا مزعومًا على أن السلطات الصحية كانت تعلم مسبقًا بالتفشي، رغم عدم وجود أي دليل يربط تلك التدريبات بما حدث على متن السفينة.
وأكد خبراء أن هذا الطرح يسيء فهم الهدف من هذه التدريبات، التي تُستخدم روتينيًا لمساعدة الجهات الصحية على الاستعداد لحالات الطوارئ المرتبطة بالأمراض المعدية.
وقال الدكتور غرايمز، وهو أستاذ مساعد في «كلية ترينيتي دبلن»، إن نقص المعلومات والتفاصيل حول التفشيات الصحية يخلق فراغًا تملؤه المعلومات المضللة بسرعة عبر الإنترنت.
وأضاف: «الناس يخافون من الأمراض المعدية لأسباب تاريخية مفهومة جدًا، وهذا يضمن جذب الانتباه».
وتابع: «والانتباه، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، يتمدد ليملأ الفراغ، وهذا يعني أن المعلومات المضللة تتمدد معه أيضًا».
وأشار إلى أن البيئة المغلقة للسفينة السياحية، إلى جانب الحجر الصحي وعمليات الإجلاء الدولية، ساهمت في زيادة التكهنات، وأعادت إلى الأذهان بدايات جائحة «كوفيد-19».
كما استهدفت منشورات أخرى ركابًا كانوا يوثقون تجربتهم أثناء الحجر الصحي، واتهمتهم زورًا بأنهم «ممثلو أزمة»، وهو مصطلح مؤامراتي يُستخدم للإيحاء بأن أفرادًا يؤدون أدوارًا مكتوبة مسبقًا خلال أحداث كبرى.
ومن بين المستهدفين صانع محتوى السفر الأمريكي «جيك روزمارين»، الذي شارك تحديثات من مرافق الحجر الصحي في الولايات المتحدة، رغم عدم وجود أي دليل على أنه ممثل أو أن التفشي كان مُفبركًا.
وأكد غرايمز أن ربط تفشيات الأمراض بنظريات المؤامرة ليس أمرًا جديدًا تاريخيًا.
وقال: «شهدنا ذلك مع كوفيد-19، وخلال جائحة الإيدز أيضًا، كانت هناك حملة تضليل روسية منظمة تزعم أن الولايات المتحدة اخترعت فيروس الإيدز كسلاح».
وأشار التقرير إلى أن حملة من الحقبة السوفيتية، عُرفت باسم «عملية دنفر»، وثّقها «مركز ويلسون» البحثي في الولايات المتحدة، ونشر مواد أرشيفية من بينها برقية لجهاز «KGB» عام 1985 تظهر محاولات لنشر ادعاءات كاذبة بأن الجيش الأمريكي صنع الفيروس كسلاح بيولوجي.
وحذر غرايمز من أن المعلومات المضللة المرتبطة بالتفشيات الصحية قد تؤدي إلى نتائج خطيرة في الواقع، مشيرًا إلى تأثير نظريات المؤامرة المرتبطة بـ«كوفيد-19» على الثقة في النصائح الصحية العامة.
وفي ختام التقرير، قال «المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها» إن إجمالي الحالات المرتبطة بسفينة «MV Hondius» بلغ 12 حالة، بينها 3 وفيات.
وأكد المركز أن الخطر على عامة السكان لا يزال «منخفضًا جدًا»، وأن انتقال العدوى على نطاق واسع «غير متوقع».
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0




