كيف تغيّر خطاب هاريس؟ من «الهجرة مفيدة» إلى «الهجرة تضغط على السكن»
أثار نائب رئيس الوزراء وزعيم حزب «فاين جايل»، سيمون هاريس، جدلًا واسعًا خلال الأسابيع الماضية بعد تصريحات ربط فيها بين أزمة التشرد والهجرة، ما فتح باب انتقادات حادة من أحزاب المعارضة ومنظمات معنية بالتشرد.
وكان هاريس قد قال في مقابلة مع صحيفة «The Irish Times»، نُشرت في اليوم الأخير من عام 2025، إن «عددًا كبيرًا» من الأشخاص المقيمين في مراكز الإيواء الطارئ بسبب التشرد «لا يملكون حقًا سكنيًا في إيرلندا».
ودعت شخصيات من المعارضة هاريس إلى التراجع عن تصريحاته، حيث اعتبر المتحدث باسم حزب «شين فين» في شؤون السكن، إوين أو بروين، أن الخلط بين التشرد والهجرة «غير أمين» و«خطير».
وتشير البيانات إلى أن عدد الأشخاص الذين يلتحقون بخدمات التشرد في إيرلندا قد ارتفع بعد حصولهم على صفة لاجئ وخروجهم من نظام الإقامة المباشرة، كما أن نحو نصف عدد البالغين المشردين البالغ 11,675 شخصًا في مراكز الإيواء الطارئ خلال شهر 11 لم يكونوا من حاملي الجنسية الإيرلندية.
في المقابل، يتمتع الأشخاص الحاصلون على صفة لاجئ بحق الوصول إلى دعم السكن، شأنهم شأن رعايا أجانب آخرين في إيرلندا يحملون تصاريح عمل أو يستوفون معايير محددة.
وشككت منظمات تُعنى بالتشرد في صحة قول هاريس بوجود «عدد كبير» من الأشخاص في الإيواء الطارئ لا يملكون حقًا في السكن داخل الدولة.
وفي يوم الإثنين، صوّت مجلس مدينة دبلن لصالح قرار يرفض ادعاء هاريس بأن عددًا كبيرًا من المتقدمين بخدمات التشرد لا يملكون حقًا سكنيًا.
وخلال الجلسة، قال أحد أعضاء المجلس، مالاشي ستينسون، وهو سياسي مستقل معروف بمواقفه المناهضة للهجرة وينفي انتماءه إلى اليمين المتطرف: «للمرة الأولى، أجد نفسي متفقًا مع نائب رئيس الوزراء».
ويُظهر تتبع تصريحات هاريس حول الهجرة منذ بداية عام 2024 أنه غالبًا ما شدد على فوائد الهجرة، وتحدث عن ضرورة وجود نظام «عادل وحازم»، وانتقد التيارات اليمينية المتطرفة. غير أن مداخلاته تطورت مع مرور الوقت لتشمل تأثير الهجرة على أزمة السكن، ولا سيما التشرد، إضافة إلى مخاوف من أن أعداد المهاجرين القادمين إلى إيرلندا أصبحت مرتفعة.
هذا التحول عرّضه لانتقادات من المعارضة، شملت اتهامات باستخدام «التلميح السياسي» الموجّه لليمين المتطرف، وهي اتهامات يرفضها هاريس بشدة، مؤكدًا أن النقاش حول هذه القضايا لا يجب أن يُترك «للأطراف السياسية المتطرفة».
وفي شهر 2024/01، قال هاريس، عندما كان وزيرًا للتعليم العالي، أمام البرلمان، إن إيرلندا «بحاجة إلى الهجرة على المستوى الاقتصادي»، داعيًا إلى الدفاع عن هذا الموقف، كما رفض «لغة اليمين المتطرف» بقوله: «إيرلندا ليست ممتلئة، وإيرلندا ليست للإيرلنديين فقط».
وبعد توليه زعامة حزب «فاين جايل» في شهر 2024/03، قال خلال مؤتمر الحزب، إن إيرلندا بحاجة إلى نظام هجرة «عادل وحازم»، وتحدث عن خطط للانضمام إلى «ميثاق الهجرة واللجوء» للاتحاد الأوروبي.
وفي الشهر نفسه، قال أمام البرلمان بصفته رئيسًا للوزراء إن «إيرلندا تستفيد من الهجرة»، مضيفًا أن «الهجرة الوافدة وحجم الزيادة يشكلان تحديات للمجتمعات في مختلف أنحاء البلاد».
وأوضح أن «المجتمعات غالبًا ما تُوضَع في مواجهة المهاجرين»، مؤكدًا أن الحل لا يكمن في الانقسام، بل في «إقامة نظام أكثر استدامة»، محذرًا من أن «تجنب النقاشات الصعبة» يترك المجال مفتوحًا أمام المتطرفين لـ«تشويه» الحوار العام.
وفي شهر 2024/09، ربط هاريس بشكل واضح بين ارتفاع معدلات الهجرة وزيادة أعداد المشردين، قائلًا لصحيفة «Sunday Times»، إن «أرقام التشرد تتأثر بشدة بسبب تزايد أعداد طالبي الحماية في البلاد»، مضيفًا أن «الهجرة تحمل العديد من الإيجابيات، لكنها خلقت تحديًا في هذا الجانب».
ووصف النائب عن حزب «People Before Profit»، بول مورفي، هذه التصريحات آنذاك بأنها «خطيرة». في المقابل، دعم وزير الإسكان في ذلك الوقت، داراغ أوبراين، موقف هاريس، معترفًا بأن الهجرة «عامل من العوامل» التي تسهم في زيادة أعداد المشردين في الإيواء الطارئ.
وتجددت الانتقادات في شهر 2025/10 عندما قال هاريس للصحفيين إن «أرقام الهجرة لدينا مرتفعة للغاية، والنظام غير مهيأ للتعامل مع هذه الأعداد الكبيرة»، رغم تأكيده في الوقت نفسه أن «الهجرة أمر إيجابي» وأن إيرلندا «تستفيد منها»، مستشهدًا بالعاملين في القطاع الصحي ومجالات اقتصادية متعددة.
وفي مقابلة نهاية العام مع «The Irish Times»، قال هاريس إنه شعر بأنه «أُسكت» بسبب تصريحاته، واعتبر الاتهامات الموجهة إليه باستخدام سياسة التلميح السياسي «غريبة».
وفي حديثه أمام البرلمان في شهر 11، قال: «حقيقة الأمر أن عدد السكان نما بسرعة كبيرة»، موضحًا أنه «مقابل كل عشرة آلاف شخص يدخلون البلاد، نحتاج إلى نحو ثلاثة آلاف مسكن إضافي».
وأضاف أن الهجرة تحتاج إلى تخطيط، داعيًا إلى «نقاش ناضج حول المستوى المناسب للهجرة». ولم يكن هاريس الوحيد في الحكومة الذي ربط بين الهجرة وأزمة السكن، إذ قال رئيس الوزراء مايكل مارتن مؤخرًا إن الأشخاص الذين طلبوا الحماية الدولية في إيرلندا أصبحوا «عاملًا مهمًا» في زيادة أعداد المشردين.
غير أن هاريس ظل محور الانتقادات الرئيسية من جانب المعارضة. وقال المتحدث باسمه، إن موقفه من الهجرة «متسق»، ويقوم على نظام «حازم وعادل وإنساني» يعترف «بالفوائد الاقتصادية والاجتماعية للهجرة» ويتصدى «للعنصرية والتطرف».
وأضاف أن تصريحات هاريس «تعكس الواقع المتمثل في أن ارتفاع مستويات الهجرة، بمختلف فئاتها، يفرض ضغوطًا إضافية على نظام سكني يعاني أصلًا من قيود كبيرة»، مشددًا على أن «الاعتراف بهذا الواقع لا يعني إلقاء اللوم على المهاجرين، بل التحلي بالصدق والحفاظ على ثقة الجمهور في نظام عادل ورحيم».
وأوضح أن تصريحات نائب رئيس الوزراء بشأن التشرد تستند إلى أرقام تُظهر زيادة أعداد المقيمين في الإيواء الطارئ، «بمن فيهم أشخاص لا يملكون استحقاقًا تلقائيًا لدعم السكن الاجتماعي»، ومن بينهم «فئات معينة» من رعايا الدول غير المنضوية في المنطقة الاقتصادية الأوروبية.
وأكد المتحدث أن هاريس «يرفض أي محاولة من اليمين المتطرف أو الناشطين المناهضين للهجرة لتحريف تصريحاته».
وفي وقت سابق من هذا الشهر، نشر هاريس مقالًا على منصة «Substack» دافع فيه عن ضرورة مناقشة «الترابط بين أزمة السكن ونمو السكان والهجرة» باعتباره مدخلًا لإيجاد حلول سياسية، تحت عنوان: «سياسيو الوسط لا يمكنهم التهرب من نقاش الهجرة، وأنا بالتأكيد لن أفعل»، في إشارة إلى أن هذا الملف سيظل حاضرًا في خطابه السياسي.
المصدر: Irish Times
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0






