تعديلات الجنسية تثير مخاوف المقيمين.. و«شين فين» يقترح حماية أصحاب الإقامات الحالية
تثير التعديلات المقترحة على قانون الجنسية الإيرلندية مخاوف متزايدة بين المهاجرين والمقيمين الذين أمضوا سنوات في البلاد، بعدما أعلنت الحكومة خططًا لزيادة مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من 5 إلى 8 سنوات، وإدخال اختبارات جديدة للغة والمعرفة بالمجتمع، وتشديد الشروط الخاصة بأزواج المواطنين الإيرلنديين، وسط مطالبات سياسية بتوفير حماية انتقالية للأشخاص الذين بدأوا بالفعل استيفاء شروط التجنيس وفق القواعد الحالية.
وكان وزير العدل جيم أوكالاهان قد أعلن، قبل أيام من بدء الدورة البرلمانية الجديدة، عن خطة وصفها بأنها «أكبر إصلاح لإجراءات الحصول على الجنسية منذ جيل كامل»، معتبرًا أن إيرلندا تطبق شروطًا أقل صرامة مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
وتسعى الحكومة إلى إقرار التشريعات الجديدة قبل نهاية العام، محذرة من أن الأشخاص الذين لم يقدموا طلبات الجنسية قبل دخول التعديلات حيز التنفيذ سيخضعون للشروط الجديدة الأكثر تشددًا.
وبموجب القواعد الحالية، يتعين على معظم المتقدمين إثبات إقامة محتسبة في إيرلندا لمدة 5 سنوات، على أن تكون السنة الأخيرة متصلة، مع السماح بالغياب عن البلاد لمدة تصل إلى 70 يومًا وفق الضوابط المعمول بها. أما المقترحات الجديدة فترفع المدة المطلوبة إلى 8 سنوات، مع اشتراط أن تكون السنتان الأخيرتان متصلتين.
وتشمل التعديلات أيضًا استحداث اختبار للكفاءة اللغوية باللغة الإنجليزية أو الإيرلندية أو لغة الإشارة الإيرلندية، مع ترتيبات خاصة للفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إلى جانب اختبار للمعرفة المدنية يتعين فيه على المتقدم إثبات فهمه للنظام السياسي والمجتمع الإيرلندي.
ووفقًا للتقرير الذي نشرته صحيفة «Irish Examiner»، فإن إيرلندا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لا تشترط حاليًا اختبارًا لغويًا للحصول على الجنسية، بينما تختلف مدد الإقامة المطلوبة بين الدول الأوروبية، إذ تشترط بعض الدول 5 سنوات، وأخرى 7 أو 8 أو 10 سنوات، مع وجود مسارات تسمح بتقليص المدة في بعض البلدان وفق المؤهلات والمهارات والظروف الشخصية.
أما أزواج المواطنين الإيرلنديين، فسترتفع مدة الزواج أو الشراكة المدنية المطلوبة من 3 إلى 5 سنوات، إلى جانب اشتراط إقامة محتسبة لمدة 5 سنوات، تكون السنتان الأخيرتان منها متصلتين.
وتواجه هذه المقترحات اعتراضات من أحزاب سياسية مختلفة، بعدما طالبت الأحزاب الممثلة في البرلمان بتوفير «حماية انتقالية»، على الأقل، للأشخاص الذين يعيشون بالفعل في إيرلندا منذ عدة سنوات، حتى لا تتغير شروط حصولهم على الجنسية بعد أن أمضوا فترات طويلة في استيفاء المتطلبات السابقة.
ومن المنتظر أن تعود القضية إلى النقاش خلال مرحلة التدقيق التشريعي المسبق أمام لجنة العدل البرلمانية، وسط تساؤلات بشأن مصير المقيمين الحاليين وإمكانية منح بعض الفئات استثناءات أو ترتيبات خاصة.
وفي هذا السياق، تحدثت صحيفة «Irish Examiner» إلى عدد من المقيمين وأصحاب الأعمال الذين يخشون أن تؤثر التعديلات على خططهم الشخصية والمهنية، أو تدفع أصحاب المهارات العالية إلى التفكير في مغادرة البلاد.
وقال رونان ماهون، الذي يدير مع شريكته الكندية كايلي سلسلة صالات «District One» الرياضية في دبلن، إن زيادة مدة الإقامة المطلوبة قد تؤثر سلبًا على قدرة الشركات على استقطاب العمالة الأجنبية والاحتفاظ بها.
ويمتلك ماهون وشريكته 4 فروع في دبلن، تقع 3 منها ضمن الدائرة الانتخابية لوزير العدل، بينما يشكل الموظفون غير الإيرلنديين نحو 60% من العاملين في الشركة.
وكانت كايلي تأمل التقدم بطلب للحصول على الجنسية قرب الكريسماس، لكن التعديلات المقترحة قد تؤجل أهليتها للتقديم لمدة 3 سنوات إضافية.
وأوضح ماهون أن نحو 90% من العاملين في شركته كانوا من السكان المحليين عند تأسيسها، إلا أن كثيرين منهم انتقلوا لاحقًا إلى دبي وأستراليا وكندا، ما جعل الاعتماد على العمالة الأجنبية ضرورة لاستمرار النشاط.
وقال: «كل نشاط تجاري تذهب إليه يحتاج إلى عمال من الخارج، سواء كان مطعمًا أو مستشفى أو صالة رياضية. نحن بحاجة إلى هؤلاء العمال».
وأشار إلى أن انخفاض معدلات المواليد والتحديات المستقبلية المتعلقة بتمويل معاشات التقاعد يجعلان إيرلندا بحاجة إلى مزيد من العاملين ودافعي الضرائب.
وتساءل: «نحن بحاجة إلى أن يأتي الناس إلى هنا، لكن إذا كنت ترسل رسالة تقول إننا لا نريدكم، فلماذا سيأتون؟».
وأضاف أن هذه الرسالة لا تقتصر تداعياتها على الداخل الإيرلندي، بل يجري تداولها عالميًا، معتبرًا أنها تجعل البلاد تبدو وكأنها لا ترحب بالمهاجرين.
وقال: «إنه يجعلنا نبدو وكأننا مجموعة من العنصريين، ونحن لسنا كذلك. نحن نرحب بالناس، وهذا الأمر يثير غضبي».
ورغم إقراره بأهمية وجود قواعد واضحة للتجنيس، مستشهدًا بتجربته الشخصية مع إجراءات الجنسية الأسترالية بعد انتقاله إلى أستراليا عام 2007، طالب الحكومة بتقديم أدلة وإحصاءات توضح الفوائد المتوقعة من رفع شرط الإقامة إلى 8 سنوات.
واعتبر ماهون أن الحكومة تركز على ملف الهجرة في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة إسكان حقيقية، متهمًا إياها بمحاولة تحويل الانتباه عن مسؤوليتها في معالجة المشكلات القائمة.
وفي حالة أخرى، حذر الباحث الصربي يوفان يروميلا، البالغ من العمر 30 عامًا، من أن التعديلات قد تدفع باحثين وأصحاب مؤهلات علمية مرتفعة إلى مغادرة إيرلندا، بما يضر بالجامعات وقطاع البحث العلمي والاقتصاد.
وانتقل يروميلا إلى إيرلندا في شهر 9/2021 لدراسة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي بكلية ترينيتي في دبلن، بتمويل من هيئة الأبحاث الإيرلندية «Research Ireland».
ورغم إقامته في البلاد لمدة 5 سنوات، فإن الفترة التي قضاها بتصريح الطالب «Stamp 2» لا تُحتسب ضمن مدة الإقامة المؤهلة للحصول على الجنسية.
وانتقل في شهر 3/2026 إلى تصريح «Stamp 1» للعمل، ما يعني أنه لم يكمل سوى نحو 8 أشهر من مدة الإقامة المحتسبة، رغم السنوات التي أمضاها في الدراسة والبحث داخل إيرلندا.
وأوضح أنه كان يخطط للاستقرار في دبلن، حيث حصل على وظيفة جيدة وكون صداقات واندمج في المجتمع، لكنه بدأ يفكر في العودة إلى النمسا، التي عاش فيها لمدة 6 سنوات خلال دراسته الجامعية.
وأشار إلى أن النمسا، رغم اشتراطها مدة إقامة عامة أطول، توفر مسارات أسرع لبعض الأشخاص المندمجين جيدًا في المجتمع، ومن بينهم أصحاب المؤهلات العلمية العالية والكفاءة اللغوية.
وقال إنه لو أكمل دراسته في النمسا، لكان بإمكانه الاستفادة من مسار يسمح بالتقدم للحصول على الجنسية بعد 6 سنوات، بينما قد يصل إجمالي انتظاره في إيرلندا إلى 12 سنة، تشمل 4 سنوات للدكتوراه و8 سنوات إضافية من الإقامة المحتسبة إذا أُقرت المقترحات دون استثناءات.
وأضاف: «إذا مضى مقترح السنوات الثماني قدمًا، فهذا يعني أنني سأضطر إلى الانتظار 12 سنة في إيرلندا».
وحذر من أن هذه التغييرات قد تحرم الدولة من باحثين ومبتكرين ودافعي ضرائب من أصحاب الدخول المرتفعة، فضلًا عن مساهمات خريجي الدكتوراه في التدريس والبحث العلمي ونشر الدراسات الدولية.
وأكد أن التعديلات جعلته يعيد تقييم جدوى البقاء في إيرلندا مقارنة بالعودة إلى النمسا، خاصة أن الحصول على الجنسية يوفر استقرارًا طويل الأجل وحرية أكبر في التنقل والعمل داخل الاتحاد الأوروبي.
أما كسينيا أنوخينا، البالغة من العمر 26 عامًا والمنحدرة من روسيا، فترى أن زيادة مدة الانتظار للحصول على الجنسية قد تعرقل اندماج المهاجرين في المجتمع، بسبب استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبلهم.
وغادرت أنوخينا موسكو عام 2018 وانتقلت إلى هولندا، قبل أن تصل إلى إيرلندا عام 2023 لدراسة الماجستير في الإعلام الرقمي التفاعلي بكلية ترينيتي في دبلن، حيث حصلت على منح وجوائز أكاديمية.
وبعد تخرجها، التحقت بوظيفة محللة بيانات في شركة إيرلندية، وتحمل حاليًا تصريح إقامة «Stamp 1G»، الذي تُحتسب مدته ضمن الإقامة المؤهلة للحصول على الجنسية، كما تقدمت بطلب للحصول على تصريح عمل ولا تزال تنتظر القرار.
لكن التعديلات المقترحة قد تجعلها تنتظر 6 سنوات إضافية قبل أن تصبح مؤهلة للتقدم بطلب الجنسية، بدلًا من 3 سنوات وفق حساباتها السابقة.
وقالت: «هناك الكثير من الأبحاث التي توضح أن عدم اليقين هو أحد العوامل التي تعرقل الاندماج».
وتساءلت: «إلى أي مدى يمكنك أن تشعر بالراحة وأنت تؤسس جذورًا في مكان ما، إذا كان من الممكن أن تُجبر على مغادرته في أي لحظة؟».
وأوضحت أن تغيير القواعد بعد انتقال الأشخاص واستقرارهم يؤدي إلى فقدان الثقة والشعور بالأمان، ويزيد الضغوط النفسية عليهم.
كما أكدت أن وجود مهاجرين من ثقافات مختلفة، يتمتعون بالاستقرار ويندمجون في مجتمعاتهم، يساهم في إثراء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وانتقدت ما اعتبرته تركيزًا سياسيًا على تشديد شروط الجنسية بدلًا من معالجة الأزمات المعيشية التي تشغل السكان، متسائلة عن الأثر الإنساني لهذه القرارات.
وأضافت أن حملها الجنسية الروسية يفرض عليها استخراج تأشيرات للسفر إلى دول أوروبية أخرى، بما في ذلك زيارة والدتها المقيمة في لاتفيا، وأن اعتمادها على تصاريح إقامة إيرلندية قصيرة الأجل يزيد التكاليف والإجراءات المرتبطة بالسفر.
وفي مقاطعة ويكسفورد، يواجه الزوجان الأمريكيان لورا راندل وآندي هولتز مخاوف مختلفة، تتعلق بتأخر تجديد تصاريح الإقامة وتأثير ذلك على حساب المدة المطلوبة للتجنيس.
وانتقل الزوجان من ولاية نيو هامبشاير الأمريكية إلى إيرلندا في شهر 5/2025، واستقرا في المجتمع المحلي، حيث تتطوع لورا لمساعدة اللاجئين على تعلم الإنجليزية، بينما يساعد آندي كبار السن على تعلم استخدام الكمبيوتر.
ويحمل الزوجان تصريح إقامة «Stamp 0»، المخصص لفئات معينة، من بينها الأشخاص القادرون على إعالة أنفسهم ماليًا، والذي يخضع لشروط صارمة تمنع العمل والحصول على إعانات الدولة، وتفرض وجود تأمين صحي خاص.
وحصل الزوجان على بطاقتي الإقامة «IRP» في شهر 5/2025، وتقدما بطلب التجديد في شهر 5/2026، لكنهما لم يحصلا على التجديد بعد.
ويخشيان أن تؤدي فترات انتهاء صلاحية الإقامة وتأخر تجديدها إلى فقدان أشهر من الإقامة المحتسبة، وبالتالي تأخير موعد أهليتهما للحصول على الجنسية.
وقالت راندل: «نسمع باستمرار أن نظام الهجرة يجب أن يكون صارمًا لكنه عادل، لكنه يجب أيضًا أن يكون قادرًا على العمل بصورة صحيحة».
وأضافت أنه إذا فقدا نصف سنة من الإقامة المحتسبة عن كل سنة يقضيانها في البلاد، فقد يحتاجان إلى 10 سنوات للتقدم بطلب الجنسية حتى في ظل القواعد الحالية، بينما قد ترتفع المدة إلى 16 عامًا إذا طُبق شرط السنوات الثماني.
وانتقد هولتز إدخال متطلبات جديدة على نظام يعاني بالفعل من التأخير، قائلًا: «إذا كان سقف منزلك يتسرب منه الماء، فلن تبدأ بتغيير السجاد. عليك إصلاح الأشياء التي تحتاج فعلًا إلى الإصلاح أولًا».
وأكد أن الاندماج في المجتمع وإتقان الإنجليزية وفهم النظام المدني والسياسي والقدرة على إعالة النفس لا تتطلب بالضرورة الانتظار 8 سنوات، مشيرًا إلى أنه وزوجته حققا قدرًا كبيرًا من ذلك خلال سنة ونصف.
وتساءل: «ما الأكثر أهمية؟ الأنشطة التي تقوم بها لإثبات إخلاصك لإيرلندا وتقديرك لها ودعمك لها، أم رقم اعتباطي جرى اختياره دون أساس واضح؟».
وشدد الزوجان على أنهما يعتبران الجنسية امتيازًا وليس حقًا تلقائيًا، لكنهما يرغبان في الحصول عليها للمشاركة بصورة كاملة في المجتمع الذي اختارا الاستقرار فيه.
واستشهدت راندل بكلمات الرئيسة كاثرين كونولي في خطابها بمناسبة عيد القديس باتريك، عندما تحدثت عن شجاعة المهاجرين وقدرتهم على الصمود ومساهماتهم في البلدان التي أصبحت أوطانًا لهم.
وقالت إن تلك الكلمات عبرت عن القيم التي دفعتها إلى اختيار إيرلندا، مضيفة: «هناك رواية تقول إن جميع المهاجرين يأتون إلى هنا ليأخذوا أشياء من البلاد. لكنني أريد فقط أن أكون جزءًا من دولة تتبنى هذه المنظومة من القيم».
وفي تطور سياسي مرتبط بهذه المخاوف، كشف حزب «شين فين»، عن مقترح شامل لإصلاح قواعد الجنسية الإيرلندية، يتضمن تأييد رفع مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من 5 إلى 8 سنوات، لكنه يختلف عن الخطة الحكومية في المطالبة بحماية الأشخاص الذين بدأوا بالفعل بناء حياتهم في إيرلندا وفق الشروط الحالية.
وأوضح المتحدث باسم الحزب لشؤون العدل، مات كارثي، أن المقترح يتضمن ترتيبات انتقالية عادلة تسمح للأشخاص الموجودين بالفعل ضمن مسار الحصول على الجنسية وقت إعلان التعديلات بالاستمرار وفق القواعد القديمة، بما فيها شرط الإقامة لمدة 5 سنوات، بدلًا من إخضاعهم تلقائيًا للشروط الجديدة.
ويقترح الحزب أيضًا استحداث مسار واضح للحصول على إقامة طويلة الأجل بعد 5 سنوات من الإقامة القانونية، بما يوفر الاستقرار للأشخاص الذين يرغبون في مواصلة حياتهم وعملهم في إيرلندا دون الحاجة بالضرورة إلى الحصول على الجنسية.
ومن شأن تصريح الإقامة طويلة الأجل المقترح أن يمنح المستفيدين حق العمل وتغيير صاحب العمل أو تأسيس مشروع تجاري دون الحاجة إلى تصريح عمل، إلى جانب الوصول إلى الخدمات العامة، بما فيها الرعاية الصحية والتعليم، وفق الشروط التي يقترحها الحزب.
كما يدعم «شين فين» إدخال اختبارات اللغة والمعرفة المدنية، مع توفير دورات تعليمية ودعم مناسب للمتقدمين، وزيادة الاهتمام بالاندماج والمشاركة المجتمعية وحسن السيرة والسلوك، والإبقاء على مسارات أقصر لبعض الفئات، ومن بينها اللاجئون وأزواج المواطنين الإيرلنديين.
وأشار كارثي إلى أن التأخير المتكرر في تجديد تصاريح الإقامة يدفع بعض المقيمين إلى اعتبار الجنسية الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار، مؤكدًا ضرورة معالجة هذه المشكلة وتوفير بدائل واضحة للإقامة طويلة الأجل.
المصدر: Irish Examiner
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0





