مستقبل البنوك في إيرلندا.. صعود «Revolut» وصفقة بـ1.6 مليار يورو تعيدان رسم القطاع المصرفي
يشهد القطاع المصرفي في إيرلندا مرحلة جديدة من التحولات، مدفوعة بالتطورات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وتغير تفضيلات المستهلكين، ودخول مؤسسات مالية جديدة إلى السوق، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين البنوك التقليدية والمنصات المصرفية الرقمية على جذب العملاء وتقديم خدمات مالية أكثر تطورًا.
وعلى مدار العشرين عامًا الماضية، شهد السوق المصرفي الإيرلندي انسحاب عدد كبير من المؤسسات الأجنبية، وانهيار بعض البنوك المحلية، قبل أن تبدأ موجة جديدة من المنافسة تقودها المؤسسات المالية الرقمية وشركات التكنولوجيا المالية، التي تسعى إلى تغيير الطريقة التي يدير بها المستهلكون أموالهم.
وخلال الأسبوع الجاري، نظرت المحكمة العليا في قضية تتعلق بالموافقة على استحواذ المجموعة المصرفية والمالية النمساوية «BAWAG» على بنك «PTSB»، في صفقة تبلغ قيمتها 1.6 مليار يورو، وتُعد من أبرز التطورات المرتقبة في القطاع المصرفي الإيرلندي.
وتأتي هذه الإجراءات بعد مرور عام على إعلان مجلس إدارة «PTSB» بدء عملية بيع رسمية للبنك.
وفي تصريحات أدلى بها هذا الأسبوع، قال الرئيس التنفيذي لبنك «PTSB»، إيمون كراولي، إن عملية البيع المقترحة إلى مجموعة «BAWAG» تسير وفق الخطة الموضوعة، متوقعًا إتمام الصفقة خلال الربع الأخير من عام 2026 أو الربع الأول من عام 2027، شريطة الحصول على الموافقات القضائية والتنظيمية اللازمة.
وبالعودة إلى الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية، كان السوق الإيرلندي يضم ما لا يقل عن 12 بنكًا، وهو عدد ربما كان أكبر من احتياجات دولة بحجم إيرلندا وعدد سكانها، بحسب دينيس ماكغولدريك، رئيس أبحاث المؤسسات المالية في شركة «Goodbody».
وأوضح ماكغولدريك أن القطاع المصرفي مر منذ ذلك الحين بمرحلة من الاندماج وإعادة الهيكلة، أدت إلى تقلص عدد المؤسسات العاملة في السوق بصورة كبيرة.
وكان بنك «PTSB» واحدًا من ثلاثة بنوك إيرلندية نجت من الأزمة المصرفية، إلى جانب «Bank of Ireland» و«AIB»، اللذين واصلا نشاطهما حتى اليوم.
أما المؤسسات المصرفية الرئيسية الثلاث الأخرى التي شملها الضمان المصرفي الذي قدمته الحكومة عام 2008، فكانت «EBS» و«Anglo Irish Bank» وجمعية البناء «Irish Nationwide Building Society».
وفي عام 2011، استحوذ بنك «AIB» على مؤسسة «EBS»، بينما تعرض كل من «Anglo Irish Bank» و«Irish Nationwide Building Society» لانهيارات مالية ضخمة، قبل دمجهما وتصفيتهما في نهاية المطاف من خلال مؤسسة تسوية البنوك الإيرلندية «Irish Bank Resolution Corporation».
وشهدت السوق أيضًا انسحاب عدد من المؤسسات المالية الأجنبية، من بينها «Ulster Bank» و«Danske Bank» و«KBC» و«Bank of Scotland Ireland» و«Rabobank» و«Leeds Building Society» و«Nationwide UK».
لكن المنافسة بدأت تتصاعد مجددًا، لا سيما في سوق القروض العقارية، مع دخول مؤسسات مالية أجنبية عبر القنوات الرقمية، من بينها «Revolut» و«Monzo» و«N26» و«Bunq» و«Avant Money».
كما بدأت الاتحادات الائتمانية «Credit Unions» توسيع نشاطها في مجال التمويل العقاري، بعدما خفف البنك المركزي بعض المتطلبات التنظيمية المفروضة عليها، بما يسمح لها بدور أكبر في سوق الرهن العقاري.
وتتمتع الاتحادات الائتمانية بمستويات مرتفعة من ثقة المستهلكين الإيرلنديين، إذ تتصدر استطلاعات الثقة السنوية متفوقة على البنوك التقليدية الكبرى، وهو ما قد يمنحها فرصة لتعزيز حصتها في سوق القروض العقارية خلال السنوات المقبلة.
وكشف استطلاع الحكومة لعام 2026 بشأن توجهات المستهلكين في القطاع المصرفي، الذي نُشرت نتائجه هذا الأسبوع، أن 86% من المستهلكين يعتبرون أحد البنوك الثلاثة «AIB» أو «Bank of Ireland» أو «PTSB» مزودهم المصرفي الرئيسي.
وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أن ما يقرب من نصف المستهلكين، بنسبة 48%، يمتلكون حاليًا حسابًا لدى شركة التكنولوجيا المالية «Revolut»، مقارنة بنسبة 43% في عام 2025.
وتقول «Revolut» إن عدد عملائها في إيرلندا وصل إلى نحو 3.4 مليون عميل، ما يعكس الانتشار الواسع للخدمات المصرفية الرقمية في البلاد.
ورغم أن غالبية العملاء ما زالوا يستخدمون «Revolut» بصورة أساسية لتحويل الأموال، فإن نسبة الذين يعتبرونها حسابهم المالي الرئيسي ارتفعت إلى 6%، مقارنة بنسبة 3% فقط في العام الماضي.
وأُجري الاستطلاع السنوي بواسطة مؤسسة «Ipsos Behaviour and Attitudes (B&A)» لصالح وزارة المالية، وشمل مقابلات شخصية مباشرة مع أكثر من 1,500 شخص.
ولا تقدم «Revolut» حاليًا قروضًا عقارية في السوق الإيرلندية، رغم إعلانها سابقًا خططًا لإطلاق هذه الخدمة، إلا أن تنفيذ تلك الخطط تعرض للتأجيل.
ويرى ماكغولدريك أن المستهلكين الإيرلنديين ما زالوا يفضلون التعامل مع المؤسسات المصرفية التي تمتلك فروعًا فعلية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحصول على القروض.
وقال: «أعتقد أن المستهلكين الإيرلنديين يفضلون بشكل خاص البنوك التي تمتلك فروعًا فعلية، لا سيما في مجال الإقراض، ولم نشهد حتى الآن نجاح شركات التكنولوجيا المالية في تغيير النموذج التقليدي للإقراض».
وأوضح أن غالبية العملاء في إيرلندا لا يزالون يتلقون رواتبهم من خلال حساباتهم لدى البنوك التقليدية الكبرى، ثم يحولون شهريًا المبالغ المخصصة للإنفاق إلى حساباتهم في «Revolut» لاستخدامها في المدفوعات اليومية.
وأضاف أن تحويل الحساب الذي يُودع فيه الراتب إلى مؤسسة مالية رقمية يمثل العقبة الرئيسية أمام شركات التكنولوجيا المالية.
وقال: «من منظور مصرفي، فإن الحساب الذي يُودع فيه الراتب هو العقبة الحقيقية أمام شركات التكنولوجيا المالية، وفي الوقت الحالي لا يتمتع المستهلكون الإيرلنديون بالمستوى نفسه من الثقة فيها».
لكنه أكد أن ذلك لا يعني أن الثقة في «Revolut» وغيرها من المؤسسات الرقمية لن تتطور بمرور الوقت.
وأشار إلى أن المستهلكين الأصغر سنًا قد يكونون أقل ارتباطًا بالبنوك التقليدية الكبرى، لأن كثيرين منهم ربما لم يسبق لهم التعامل مع أحد هذه البنوك.
وفي شهر 3 الماضي، أطلقت البنوك الإيرلندية الثلاثة الكبرى «AIB» و«Bank of Ireland» و«PTSB» خدمة «Zippay»، التي تتيح التحويلات المالية الفورية بين الأفراد باستخدام الهواتف المحمولة.
وتعتمد الخدمة على أرقام الهواتف المحفوظة في قائمة جهات الاتصال لدى العميل، لتحديد الأشخاص الآخرين الذين يستخدمون الخدمة وإتاحة تحويل الأموال إليهم مباشرة.
وجاء إطلاق «Zippay» في إطار سعي البنوك التقليدية إلى منافسة المؤسسات الرقمية مثل «Revolut» و«N26»، وتعزيز قدرتها على تقديم خدمات دفع إلكترونية تنافسية.
وفيما يتعلق بحماية المستهلكين، أكد البنك المركزي أن جميع البنوك العاملة في البلاد ملزمة بالامتثال لمعايير حماية المستهلك الصارمة نفسها، بغض النظر عن الطريقة التي تقدم بها خدماتها.
وأوضح متحدث باسم البنك المركزي أن البنوك الرقمية التي تقدم منتجاتها وخدماتها في إيرلندا عبر التطبيقات الإلكترونية تُعد بنوكًا مرخصة بالكامل، ويجب أن تخضع للإجراءات الصارمة نفسها للحصول على الترخيص المصرفي التي تخضع لها البنوك التقليدية.
وقال المتحدث إن مدونة حماية المستهلك الصادرة عن البنك المركزي «Consumer Protection Code» تركز على إجراءات عملية وحقيقية تهدف إلى حماية المستهلكين في تعاملاتهم اليومية.
وأضاف: «هذا يعني أنه سواء كنت تتعامل مع البنك عبر الإنترنت، أو من خلال تطبيق إلكتروني، أو داخل فرع محلي، فإن البنك الذي تتعامل معه يقع عليه واجب قانوني صارم للعناية بك وبأموالك».
وبموجب القواعد الأوروبية، يمكن لأي بنك حاصل على ترخيص مصرفي في دولة أخرى عضو في الاتحاد الأوروبي تقديم خدماته بصورة قانونية داخل إيرلندا.
ويُعرف هذا النظام باسم «جواز المرور المصرفي» أو «Passporting»، ويتيح للمؤسسات المالية المرخصة في إحدى دول الاتحاد الأوروبي العمل في أسواق الدول الأعضاء الأخرى، مع خضوعها للإطار التنظيمي الأوروبي الصارم الذي ينطبق على البنوك التقليدية.
وشدد المتحدث باسم البنك المركزي على أن التطورات التكنولوجية قد تغير الطريقة التي يدير بها الأفراد أموالهم، لكنها لا تغير الالتزامات التنظيمية والقانونية التي يتعين على المؤسسات المصرفية الامتثال لها.
ومع استمرار التحولات في القطاع، يرى ماكغولدريك أن البنوك الإيرلندية الكبرى تتمتع حاليًا بمركز مالي قوي، مدعوم بمستويات فائضة من رأس المال والسيولة.
وأوضح أن هذه البنوك تمتلك قدرة كبيرة على التوسع في الإقراض، في ظل التوقعات باستمرار نمو الاقتصاد الإيرلندي خلال العقد المقبل على الأقل، مدفوعًا بمشروعات خطة التنمية الوطنية والاستثمارات الحكومية الكبيرة في قطاع الإسكان.
وقال: «لديها قدرة مالية كبيرة على الإقراض في اقتصاد يُتوقع أن يشهد نموًا لمدة عقد على الأقل، عندما ننظر إلى أمور مثل خطة التنمية الوطنية والحجم الكبير من الأموال التي تضخها الحكومة في قطاع الإسكان».
وأضاف أن سوق القروض العقارية مرشحة لمواصلة النمو خلال السنوات القليلة المقبلة، وهو ما يعزز فرص البنوك في زيادة أنشطتها التمويلية.
واختتم ماكغولدريك تصريحاته بالتأكيد على أن البنوك الإيرلندية تتمتع بوضع قوي للغاية، معتبرًا أن هذا يمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء اهتمام مؤسسات مالية أجنبية مثل «BAWAG» بدخول السوق من خلال الاستحواذ على «PTSB».
وقال: «البنوك في وضع قوي للغاية، وأعتقد أن هذا هو السبب الذي يدفع مؤسسات مثل BAWAG، التي تتمتع بخبرة كبيرة في إدارة أعمالها، إلى السعي للاستحواذ على PTSB والدخول إلى هذه السوق».
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0







