شلل واسع في الخدمات العامة.. إضراب 300 ألف موظف يغلق المدارس ويعطّل المستشفيات والمحاكم

دعت زعيمة حزب شين فين، ماري لو ماكدونالد، رئيس الوزراء مايكل مارتن، إلى التدخل شخصيًا لإنهاء النزاع بشأن اتفاق أجور القطاع العام، في وقت شهدت فيه البلاد إضرابًا واسعًا شارك فيه نحو 300 ألف موظف، وأدى إلى إغلاق معظم المدارس وتعليق الخدمات الطبية غير العاجلة وتعطيل جلسات المحاكم وعدد من الخدمات الحكومية.
وخلال تصريحات أدلت بها خارج مبنى البرلمان، حيث تجمع مئات المشاركين في الإضراب، حمّلت ماكدونالد الحكومة مسؤولية وصول الأزمة إلى هذه المرحلة، متهمة إياها بالمماطلة في التعامل مع مطالب العاملين رغم علمها منذ أشهر بضرورة التفاوض بشأن اتفاق جديد للأجور.
وقالت إن الحكومة تعاملت باستخفاف مع مطالب نحو 300 ألف موظف يعتمد عليهم المجتمع في تقديم الخدمات الأساسية، مشيرة إلى دورهم في رعاية المرضى وتعليم الأطفال وإدارة المؤسسات والمرافق العامة، بما فيها المؤسسات التي يعمل من خلالها ممثلو الشعب المنتخبون.
وأكدت أن استمرار الأزمة يستدعي تدخل رئيس الوزراء مباشرة، مطالبة إياه بالتحرك لإنهاء النزاع، وتقديم ضمانات واضحة للعاملين بأن الحكومة استمعت إلى مطالبهم وتدرك الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف المعيشة.
وشددت على ضرورة أن تكون الأجور محور المفاوضات والبند الأول على جدول أعمالها، بما يتيح التوصل إلى تسوية تحول دون مزيد من الاضطرابات.
وردًا على تصريحات وزير الإنفاق العام جاك تشامبرز، التي أكد فيها إمكانية بدء المفاوضات بمناقشة الأجور، قالت ماكدونالد إنها لا تهتم بالاختلافات اللفظية في التصريحات الحكومية، وإنما تريد التزامًا واضحًا بالدخول في مفاوضات جادة تضع مطالب العاملين في مقدمة أولوياتها.
واتهمت الحكومة بسوء إدارة الملف وعدم إبداء التقدير الكافي للعاملين في القطاع العام، معتبرة أن وصول النزاع إلى مرحلة الإضراب يعكس إخفاقها في التعامل مع الأزمة.
وفي المقابل، رحّب رئيس الوزراء، بموقف قيادات النقابات العمالية واستعدادها لمواصلة الحوار، معربًا عن أمله في أن تتيح التطورات الأخيرة فرصة للتوصل إلى اتفاق وطني جديد للأجور.
وقال مارتن إنه يتفهم الضغوط التي يواجهها موظفو القطاع العام، مؤكدًا أن الحكومة تسعى إلى إطلاق عملية تفاوضية يمكن أن تقود إلى نتيجة مرضية، وأن الأجور ستكون من أولويات المحادثات منذ بدايتها.
وجاءت تصريحاته عقب دعوة الأمين العام لنقابة «Fórsa» ورئيس لجنة الخدمات العامة التابعة للمؤتمر الإيرلندي لنقابات العمال، كيفن كالينان، إلى تعيين وسيط محايد للمساعدة في حل النزاع.
وأكد كالينان أن الإضراب كان من الممكن تجنبه لو دخلت الحكومة في مفاوضات مع النقابات خلال الأشهر الأربعة الماضية، مشيرًا إلى تراجع الثقة بين الطرفين بسبب خلافات تتعلق بتنفيذ الاتفاق السابق وتأخر صرف مستحقات مالية لعدد كبير من العاملين.
وأوضح أن مطالب النقابات تشمل معالجة الفجوة بين الأجور ومعدلات التضخم، وتنفيذ الالتزامات السابقة، إلى جانب التشاور بشأن تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام.
وحذر من أن غياب تدخل حكومي فاعل قد يؤدي إلى استمرار الإجراءات الاحتجاجية الأسبوع المقبل، ويزيد صعوبة التوصل إلى تسوية، لكنه أبدى في الوقت نفسه استعدادًا لاستئناف المفاوضات إذا كانت تصريحات الوزير تشامبرز بشأن أولوية الأجور تعكس موقفًا حكوميًا جادًا.
من جانبها، رحّبت زعيمة حزب العمال، إيفانا باسيك، بتصريحات تشامبرز، معتبرة أنها تمثل «بصيص أمل» لإحراز تقدم في المفاوضات، ودعت الحكومة إلى التمسك بموقفها الجديد ووضع ملف الأجور بصورة واضحة على طاولة المحادثات.
وعلى صعيد تداعيات الإضراب، أكد كبير المسؤولين السريريين في هيئة الخدمات الصحية، الدكتور كولم هنري، إلغاء جميع الإجراءات الطبية غير العاجلة، مع استمرار تقديم الرعاية للحالات الطارئة بموجب استثناءات اتفقت عليها النقابات، فيما واصلت عيادات الأطباء العامين عملها.
وشملت الاضطرابات إلغاء مواعيد العيادات الخارجية والإجراءات الطبية المجدولة، وتعليق عدد من الخدمات الصحية المجتمعية، وخدمات رعاية كبار السن والصحة النفسية والإعاقة والرعاية المنزلية.
كما أُغلقت الخدمات النهارية المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتأثرت الخدمات التي تقدمها مؤسسات من بينها «St John of Gods» و«Brothers of Charity» والجمعية الإيرلندية لمستخدمي الكراسي المتحركة.
ودعا هنري المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية عاجلة إلى عدم تأخير طلب المساعدة الطبية بسبب الإضراب.
وفي مقاطعتي كورك وكيري، أعلنت هيئة الخدمات الصحية إلغاء العمليات الاختيارية ومواعيد العيادات الخارجية والخدمات النهارية في المستشفيات والمرافق الصحية المجتمعية، مع استمرار خدمات الدعم المنزلي للفئات الأكثر احتياجًا وفق الاستثناءات المعتمدة.
وأكدت استمرار عمل أقسام الطوارئ في مستشفى جامعة كورك ومستشفى ميرسي الجامعي ومستشفى جامعة كيري، إلى جانب وحدات علاج الإصابات في بانتري ومالو وغورانابراهر، وإن كان ذلك بطاقة تشغيلية مخفضة.
كما استمرت خدمات الإسعاف بطاقة مخفضة، مع الحفاظ على العلاجات الطبية العاجلة والحساسة للوقت، بما في ذلك علاج السرطان وغسيل الكلى.
وشهد مستشفى جامعة كورك أحد أكبر الاعتصامات في البلاد، حيث بدأ العاملون تجمعهم أمام المستشفى في الثامنة صباحًا، بمشاركة أربع نقابات هي منظمة الممرضات والقابلات الإيرلندية (INMO)، ونقابة «SIPTU»، ونقابة «Fórsa»، والمنظمة الطبية الإيرلندية (IMO).
ويعمل بالمستشفى نحو 5 آلاف شخص، ينتمي معظمهم إلى النقابات العمالية، فيما أعلنت هيئة الخدمات الصحية تأثر الخدمات الإدارية وإعادة جدولة جميع المواعيد المقررة خلال يوم الإضراب.
وقال مساعد مدير العلاقات العمالية في منظمة الممرضات والقابلات الإيرلندية، ليام كونواي، إن النقابات وافقت على ترتيبات استثنائية لضمان استمرار الخدمات الضرورية للحفاظ على حياة المرضى، بما يشمل أقسام الطوارئ والعناية المركزة والرعاية الحرجة وخدمات المرضى المقيمين والأمومة.
وأضاف أن الاستثناءات تشمل أيضًا علاجات السرطان التي لا يمكن تأجيلها، مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي.
وكشف كونواي أن المستشفى كان يعاني اكتظاظًا شديدًا قبل بدء الإضراب، ووصل إلى مستوى التصعيد المعروف باسم «Black Escalation»، فيما سعت إدارته إلى زيادة أعداد المرضى الذين يمكن السماح لهم بالمغادرة استعدادًا لتوقف العمل.
وكان 73 مريضًا ينتظرون الحصول على أسرّة بالمستشفى أمس، من بينهم 56 في قسم الطوارئ و17 في أقسام أخرى.
واتهم كونواي الحكومة بالفشل في تقديم عرض جاد للأجور يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن العاملين في التمريض والقبالة يواجهون ضغوطًا متزايدة نتيجة نقص الموظفين والإرهاق المهني، فضلًا عن استمرار حالات التقاعد المبكر ومغادرة بعض العاملين إيرلندا بحثًا عن فرص أفضل.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف المعيشة، بما في ذلك نفقات التسوق الأسبوعية، أصبح مصدر قلق مستمر لأعضاء النقابة.
ومن المقرر إنهاء الاعتصامات أمام مستشفى جامعة كورك في الساعة الرابعة عصرًا.
وفي قطاع التعليم، أُغلقت معظم المدارس الابتدائية والثانوية في أنحاء البلاد، بعد انضمام المعلمين ومساعدي ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة إلى الإضراب الذي يستمر يومًا واحدًا، ما أدى إلى فقدان ما يقرب من مليون طفل ومراهق يومًا دراسيًا.
وشارك نحو 50 ألف معلم بالمرحلة الابتدائية في الاعتصامات أمام مدارسهم، في أول تحرك من هذا النوع منذ 17 عامًا، إلى جانب نحو 40 ألف معلم بالمرحلة الثانوية، و20 ألف مساعد لذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة يعملون في المرحلتين.
وأدى الإضراب إلى إغلاق أكثر من 3 آلاف مدرسة ابتدائية وأكثر من 700 مدرسة ثانوية، فضلًا عن المدارس الخاصة البالغ عددها نحو 150 مدرسة.
وأكدت النقابات التعليمية أن أجور العاملين لم تواكب الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، فيما شدد عدد من المعلمين المشاركين في الإضراب على أنهم كانوا يفضلون مواصلة التدريس، لكن تعثر المفاوضات دفعهم إلى المشاركة في التحرك الاحتجاجي.
وفي مدرسة «St Etchen’s National School» بمدينة كينيغاد في مقاطعة ويستميث، قالت المعلمة ساندرا تشامبكين، إنه لم يحدث تفاوض جاد منذ انتهاء اتفاق أجور القطاع العام في شهر 6 الماضي، موضحة أن مطالب المعلمين لا تقتصر على الأجور، وإنما تشمل أيضًا قضايا التعليم الخاص وأعداد الطلاب داخل الفصول، التي قالت إنه لم تجرِ بشأنها مناقشات منذ عام 2022.
وأعربت زميلتها جينين كينا عن أملها في عدم تصعيد الإجراءات الاحتجاجية، داعية الحكومة إلى تقديم مقترح جاد، ومؤكدة ضرورة معاملة المعلمين وجميع العاملين في القطاع العام بإنصاف وتقدير العمل الذي يؤدونه.
وانتقد المعلم غاري كوركوران وصف الوزير تشامبرز للإجراءات الاحتجاجية بأنها غير معقولة، مؤكدًا أن المعلمين لم يرغبوا في وصول الأمور إلى هذه المرحلة، وأن مطلبهم يتمثل في الدخول في مفاوضات حقيقية والتوصل إلى اتفاق أجور يراعي أزمة تكاليف المعيشة.
وفي مقاطعة غالواي، نظم ممثلون عن عدد من النقابات اعتصامًا مشتركًا خارج مدرستي «Rosedale» و«Lakeview»، اللتين تديرهما مؤسسة «Corlann»، المعروفة سابقًا باسم «Brothers of Charity Services»، وتقدمان خدمات تعليمية للطلاب الذين يعانون صعوبات تعلم متفاوتة الشدة.
وأقر المعلم مارك كوك، الذي يعمل في مدرسة «Lakeview»، بأن الإضراب يؤثر على الطلاب وأسرهم، مؤكدًا ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات.
وامتدت تداعيات الإضراب إلى القضاء، حيث توقفت الأعمال داخل مجمع محاكم العدالة الجنائية في شارع باركغيت بدبلن، بعدما نظم الموظفون اعتصامًا أمام المدخل الرئيسي، ما أدى إلى تعليق الإجراءات القضائية المقررة.
وظلت أبواب المجمع، الذي يضم محكمة الدائرة ومحكمة المقاطعة والمحكمة الجنائية المركزية، مغلقة فعليًا، فيما أُلغيت جلسات المحاكم في أنحاء البلاد، باستثناء عدد من القضايا والطلبات العاجلة.
وشملت الاستثناءات الطلبات الطارئة المتعلقة بالعنف الأسري ورعاية الأطفال، وطلبات الشرطة لحبس المتهمين احتياطيًا في الحالات التي لم يُمنحوا فيها إفراجًا بكفالة من مركز الشرطة، إلى جانب طلبات الأوامر القضائية أمام المحكمة العليا لحماية الحياة أو الصحة أو السلامة أو الرفاه.
وعُلّق على الأبواب الزجاجية للمجمع إشعار رسمي بتأجيل الجلسات، لإبلاغ المتهمين وأفراد الجمهور بأن كاتب المحكمة أجّل الجلسات بناءً على أمر صادر عن أحد قضاة محكمة المقاطعة.
وتضمن الإشعار تأجيل عدد كبير من القضايا إلى شهري 11 و12، مع إدراج قضايا الإفراج بكفالة من مراكز الشرطة، التي كان مقررًا نظرها خلال يوم الإضراب، ضمن جلسات الخميس بدلًا من ذلك.
كما نص على إلزام جميع الأشخاص الذين تلقوا استدعاءات قضائية، أو تعهدوا بالحضور بموجب ضمان قانوني، بالمثول أمام المحكمة في المواعيد الجديدة المحددة دون الحاجة إلى إخطار إضافي.
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0



