قيس رملي يكتب .. نبوءة فلسطين

بقلم / قيس رملي
في فجر كل يوم، كان نضال يستيقظ قبل أن توقظه الشمس. لم يكن نومه ثقيلاً، بل أشبه بانتظار طويل يمتد بين ليل وأمل. يمد يده إلى هاتفه كمن يفتش في جرح، يقرأ الأخبار العاجلة بعينين محمرتين، وحين يدرك أن العالم لم يتغير، يرمي الهاتف بعيدًا كمن يتخلص من حجرٍ ثقيل على صدره. يفتح النافذة في وجه صباح يبدو مبهجًا، ثم يبصق على الهواء ويهمس: “أيها العالم القذر.”
يغتسل ببطء، كما لو كان يغتسل من غبار قرن كامل، ثم يتجه إلى المطبخ. يضع إبريق الماء فوق الموقد الصغير، يهيّئ قهوته الغريبة: ملعقتان من القهوة، وملعقتان من الزبدة، وقليل من الملح. يصب الماء ويقلب بهدوء، ثم يجلس على الكرسي الخشبي أمام البيت. يراقب سطح الكأس حتى تطفو الزبدة وتتحول القهوة من السواد إلى الصفرة، فيراها حقول قمح تمتد في فلسطين، كما وصفته جدته:
“كنا نزرع البطيخ والبرتقال والقمح والذرة، لكن الزيتون يا بني، الزيتون هو الشاهد. جدك كان يهتم بشجر الزيتون أكثر مما يهتم بي. وهل تصدق؟ لم أعرف برتقالًا ولا ليمونًا أطيب من ثمار فلسطين.”
تغمره الذكرى كأنها تيار ماء. يرى طفولته في المخيم: الأزقة الضيقة، الجدران المليئة بالشعارات، وجوه الأطفال الذين يركضون حفاة في الطين. يتذكر كيف قفز يومًا إلى النهر عاريًا، يضحك دون خوف من فقره. المخيم كان مدرسة وذاكرة، حتى الطعام المعلب القادم من الأمم المتحدة صار جزءًا من الهوية. في المدرسة، كان الأستاذ رشيد السهلي، طويل القامة، يدخل الفصل ويردد: “فلسطين حرة.” وكل المعلمين كانوا يبدؤون الدرس بذلك النشيد. هكذا سُقي نضال حب الأرض، حتى صار فخرًا يتجاوز الجوع والخوف.
حين وُلد، أصر والداه أن يُسمى نضال، ليبقى اسمه وعدًا بالعودة. الاسم كان أشبه بوحمةٍ لا تزول، مكتوبًا على جبينه، كأنه عهد غير مكتوب.
يراقب فنجانه في هذا الصباح، فتطفو فقاعة صغيرة على سطح القهوة. يحدّق فيها طويلًا، وكأنها مرآة. هناك، يرى طريق العودة يلمع من جديد.
خرج إلى المدينة يحمل قلمه ودفتره. يجلس في المقهى يراقب الناس الغارقين في هواتفهم. يدوّن: “انشغال عن العالم، عزلة خلف الشاشات.” ثم ينتقل إلى السوق، يدخل محلات الإلكترونيات، يراقب الزائرين، يرصد انبهارهم بالآلات واللمعان. في المساء، يعود إلى منزله، يقلب دفاتره ويضحك: “إذاً، التحرير أقرب مما يظنون.”
تتداخل الذكريات: النكبة التي سبقت ميلاده، جيش الإنقاذ الذي جاء كظل بلا قوة، فزاد الشتات بدل أن يوقفه. تذكّر والده الذي قضى تحت صخور الكسارة في ريف دمشق، وأمه التي عملت في الحقول لتؤمن لقمة الخبز. أمه كانت تقول له: “نحن لا نعيش من أجل الأكل فقط، نحن نعيش لنعود.”
كبر نضال بين الفصائل: فتح، ثم الديمقراطية، ثم الشعبية. حمل البندقية أكثر من مرة، لكن البندقية كانت أثقل من أحلامه. رأى الرفاق يسقطون في عمليات كشفها العدو قبل أن تبدأ. اكتشف أن بعض القيادات تاجرت بالدماء، فشعر أن البندقية بلا روح لا تفتح طريقًا.
ثم جاء السابع من أكتوبر، وانكشف الوجه الحقيقي للوحش. لم يعد المحتل يخفي أنيابه. هدم مدينة كاملة، وحاصر أكثر من مليوني إنسان. العالم كله صرخ طالبًا الرحمة، لكن الصرخات سقطت على جدار من حجر. رأى نضال الخيام تحترق، المستشفيات تُقصف، الأطفال يموتون جوعًا. بكى كما بكى كل الشرفاء، لكنه لم يفقد الإيمان بأن الخراب ليس آخر الحكاية.
ليلة ما، جلس نضال إلى مكتبه. فتح دفتراً قديماً وكتب فيه كأنه يكتب وصيته:
“اسمي نضال القواسمة. عمري خمسون عامًا. أنا ابن المخيمات. جُرحت كثيرًا، وخُدعت أكثر. رأيت الدم يُباع، ورأيت الوطن يُقايض عليه. لكنني لم أفقد الإيمان بأن العودة ستأتي. ليست البندقية وحدها طريق العودة، ولا المفاوضات العاجزة. إنما جيل جديد، لم يُولد في الخنادق بل في الفضاء الرقمي. جيل Z… هذا الجيل الذي لم يتعلم الخوف، ولم يرث اليأس، بل ورث التقنية والحرية. جيل يزرع القيم في قلب التكنولوجيا، ويبني بها مستقبلًا لا يجرؤ المستعمر على تخيله.”
رفع رأسه من الدفتر، وأغمض عينيه. تخيل شبابًا يصنعون أسرابًا من طائرات صغيرة تخرج من الورق، لكنها تتحول في السماء إلى نجوم متوهجة، تشلّ الطائرات الحديدية وتكسر غرور الجيوش. تخيل شاشات العالم وهي تبث صورة جديدة: لا وجوه قتلى، بل وجوه عائدين، يضحكون ويغرسون الزيتون من جديد.
نام نضال تلك الليلة، فرأى حلمًا غريبًا: كان يسير في حقول برتقال تمتد بلا نهاية، يلمس الثمار بيده. في الأفق، رأى شبابًا يفتحون بوابات ضخمة من نور، تتدفق منها الجموع. البحر كان يفتح ذراعيه، والجبل يفسح طريقًا، والسماء تتسع للأغاني. كان جيل Z يقود الحشود، يحملون الرايات لا كبندقية، بل كأفقٍ جديد.
حين استيقظ، كان الفجر مختلفًا. الضوء لم يكن ضوءًا عاديًا، بل كأنه بشارة. أدرك أن ما رآه ليس حلمًا فقط، بل نبوءة.
جيل نضال حمل الذاكرة، وتحمّل الخيبات، وعاش تحت وطأة الخوف والتجويع. لكن النهاية لم تُكتب بأيديهم. النهاية بيد جيل جديد، جيل Z:
جيل سيعيد الحقوق إلى أصحابها،
جيل سيبني عالمًا قوامه القيم والعدالة،
جيل سيكتشف الكون بحرية ورقي،
جيل سيضع نهاية لإسرائيل كما نعرفها،
ويكتب بداية لفجرٍ آخر.
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0








