انتخابات إسرائيل القادمة.. معركة بقاء نتنياهو وإعادة تشكيل ما بعد الحرب

تحولات المشهد السياسي الإسرائيلي بعد الحرب
تقترب إسرائيل من واحدة من أكثر انتخاباتها حساسية وتعقيداً منذ عقود، في وقت ما تزال فيه تداعيات الحرب والانقسامات الداخلية تلقي بظلالها الثقيلة على المجتمع والسياسة معاً فالانتخابات القادمة لا تبدو مجرد منافسة دورية على مقاعد الكنيست أو على منصب رئيس الوزراء، بل تبدو معركة سياسية كبرى تتداخل فيها الحسابات الأمنيه مع الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية، وتتصادم خلالها رؤى مختلفة حول مستقبل الدولة وطبيعة نظامها السياسي وموقعها الإقليمي، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية أصبحت الحملات الانتخابية أشبه بصراع مفتوح بين معسكرات تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي وفق تصورات متباينة لمستقبل البلاد.
منذ سنوات طويلة يحتل بنيامين نتنياهو موقع مركزي في السياسة الإسرائيلية، حتى بات حضوره يتجاوز حدود زعامه حزب الليكود ليصبح عنواناً لمرحلة سياسية كاملة. ولذلك فإن الانتخابات القادمة ستدور إلي حد كبير حول شخصيته وإرثه السياسي بقدر ما ستدور حول البرامج الحزبية التقليدية، فأنصار نتنياهو يرون فيه القائد الأكثر خبرة في إدارة الملفات الأمنية والإقليمية، والقادر على مواجهة التحديات التي تحيط بإسرائيل في بيئة إقليمية مضطربة، أما خصوومه فيعتبرون أن سنوات حكمه الطويلة ساهمت في تعميق الانقسامات الداخلية وأضعفت الثقة بالمؤسسات السياسية وأدخلت الدولة في حالة مستمرة من الاستقطاب.
ويبدو المشهد الانتخابي الحالي مثال واضح لما تفسره نظرية “الاختيار العقلاني” في العلوم السياسية والتي تفترض أن الناخب يتخذ قراره بناء على حسابات المصلحة والمنفعة المتوقعة أكثر من اعتماده على الانتماءات الأيديولوجية الثابتة، فالمواطن الإسرائيلي الذي يعيش آثار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية سيقارن بين البدائل السياسية المطروحة وفق ما يعتقد أنه يحقق له قدر أكبر من الاستقرار والأمن والازدهار، ولهذا السبب لا يقتصر التنافس على الخطابات الأيديولوجية، بل يمتد إلى إقناع الناخب بأن هذا الحزب أو ذاك هو الأكثر قدرة على إدارة الأزمات وتحقيق المصالح الوطنيه
ومن زاوية أخرى يمكن فهم الانتخابات المقبلة من خلال نظرية إعادة “الاصطفاف الحزبي” وهي النظرية التي تفسر التحولات الكبرى التي تصيب الأنظمة السياسية عندما تتغير أولويات المجتمع أو تظهر أحداث تاريخية استثنائيه تدفع الناخبين إلى إعادة النظر في ولاءاتهم السياسية السابقة، وقد شكلت الحرب الأخيرة وما رافقها من هزات أمنية وسياسية نقطة تحول دفعت كثير من الإسرائيلييين إلى مراجعة مواقفهم التقليدية تجاه الأحزاب والقادة ونتيجة لذلك بدأت تظهر تحالفات جديدة وتفاهمات سياسية لم تكن مطروحة قبل سنوات، بينما تراجعت بعض الاصطفافات القديمة التي حكمت السياسة الإسرائيلية لفترة طويلة.
الأحزاب المتنافسة ومعركة تشكيل التحالفات
في قلب هذا المشهد يقف حزب الليكود باعتباره القوة السياسية الأكبر داخل معسكر اليمين، ويعتمد الحزب على قاعدة جماهيرية واسعة ترى أن المرحلة الحالية تتطلب قيادة قوية وخبرة طويلة في إدارة الملفات الأمنية، ويستند نتنياهو إلى سجل سياسي ممتد لعقود وإلى شبكة تحالفات مع الأحزاب الدينية والقومية، وهو ما يمنحه قدرة كبيرة على المحافظة على موقعه في المنافسة رغم الانتقادات التي يواجهه، ومع ذلك فإن الليكود يدخل الانتخابات في ظروف تختلف كثير عن الانتخابات السابقه، إذ يواجه ضغوط متزايدة من المعارضة ومن قطاعات داخل المجتمع الإسرائيلي تحمل الحكومة مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل تعمل قوى المعارضة على تقديم نفسها باعتبارها بديلاً قادرعلى إنهاء مرحلة الجمود السياسي ويبرز في هذا السياق التحالف الذي يجمع شخصيات مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد، حيث يسعى هذا التيار إلى استقطاب الناخبين الوسطيين وبعض ناخبي اليمين المعتدل الذين يشعرون بالإحباط من استمرار الأزمات السياسية ، ويقدم هذا المعسكر نفسه بوصفه مشرو لإعادة بناء التوافق الداخلي وترميم العلاقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخطوط العامة للسياسة الأمنية الإسرائيلية.
وتكتسب شخصية نفتالي بينيت أهمية خاصة في هذه الانتخابات لأنه يحاول تقديم نفسه باعتباره زعيم يميني قادر على منافسة نتنياهو داخل البيئة السياسية ذاتها، فبينيت يدرك أن هزيمة الليكود لا يمكن أن تتحقق فقط عبر أصوات اليسار أو الوسط، بل تحتاج إلى اختراق جزء من القاعدة التقليدية لليمين الإسرائيلي، ولهذا يركز خطابه على الكفاءة الإدارية والخبرة الأمنية أكثر من تركيزه على الصراعات الأيديولوجية، في محاولة لإقناع الناخبين بأن التغيير لا يعني التخلي عن أولويات الأمن القومي.
أما يائير لابيد فيواصل تقديم نفسه ممثل للتيار الوسطي الذي يدعو إلى تخفيف الاستقطاب الداخلي وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ورغم التراجع النسبي في شعبية بعض أحزاب الوسط خلال السنوات الأخيرة” فإن لابيد ما يزال يمثل رقم مهم في أي معادلة ائتلافية مستقبلية، خصوصاً إذا نجحت المعارضة في توحيد صفوفها حول برنامج مشترك.
وفي الخلفية يبرز غادي آيزنكوت بوصفه أحد الشخصيات التي تحظى باهتمام متزايد داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، فالرجل القادم من المؤسسة العسكرية يمثل نموذج للقائد الأمني الذي يحاول الانتقال إلى المجال السياسي مستفيد من رصيده المهني وخبرته العسكرية، ويرى بعض المحللين الإسرائيليين أن آيزنكوت قد يصبح عامل حاسم في رسم خريطة التحالفات المقبلة، سواء عبر خوض الانتخابات بصورة مستقلة أو من خلال الانضمام إلى أحد التكتلات المعارضة.
ولا يمكن الحديث عن الانتخابات الإسرائيلية دون التطرق إلى الأحزاب الدينية التي تشكل ركن أساسيا/ في أي ائتلاف حكومي محتمل، فحزب شاس ويهدوت هتوراه يدركان أن ثقلهما الحقيقي لا يكمن فقط في عدد المقاعد التي يحصلان عليها، بل في قدرتهما على ترجيح كفة هذا المعسكر أو ذاك أثناء مفاوضات تشكيل الحكومة، ولهذا السبب يركز الحزبان على قضايا الهوية الدينية والتعليم الديني والإعفاءات المتعلقة بالخدمة العسكرية، وهي ملفات أصبحت من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل المجتممع الإسرائيلي.
ومن جهة أخرى تواصل الأحزاب القومية المتشددة، وعلى رأسها حزب القوة اليهودية، تعزيز حضورها داخل معسكر اليمين/ ويستند هذا التيار إلى خطاب قومي متشدد يدعو إلى سياسات أكثر صرامة تجاه الفلسطينيين وإلى توسيع النفوذ الإسرائيلي في المناطق المتنازع عليها، وقد نجح هذا الخطاب خلال السنوات الأخيرة في استقطاب شريحة من الناخبين الذين يرون أن السياسات التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات الأمنية.
أما حزب إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان فيسعى إلى استثمار حالة التململ الشعبي تجاه الأحزاب الدينية من خلال التركيز على قضايا العلاقة بين الدين والدولة وضرورة توزيع أعباء الخدمة العسكرية بصورة أكثر عدالةز ويعتقد ليبرمان أن هذه القضايا يمكن أن تمنحه موقعاً مؤثراً في أي ائتلاف حكومي مقبل، خصوصاً في ظل تصاعد الجدل حول تجنيد الحريديم.
وفي الطرف الآخر من المشهد تحاول الأحزاب العربية الحفاظ على حضورها داخل الكنيست رغم التحديات التي تواجهها، فالتشتت والانقسامات الداخلية أضعفت قدرتها على التأثير خلال السنوات الماضية، إلا أن إمكانية تشكيل قائمة موحدة قد تمنحها فرصة لاستعادة جزء من قوتها السياسية، ومع أن الأحزاب العربية لا تشارك عادة في الائتلافات الحكومية التقليدية، فإن وزنها البرلماني قد يصبح مهماً في حال جاءت نتائج الانتخابات متقاربة بين المعسكرات المتنافسة.
السيناريوهات المحتملة وصعوبات المرحلة المقبلة
يرى عدد من الخبراء الإسرائيليين أن المشكلة الأساسية التي ستواجه نتائج الانتخابات لا تتعلق فقط بمن سيفوز بالمركز الأول، بل بمن سيتمكن من تشكيل حكومة مستقرة، فالنظام السيياسي الإسرائيلي يقوم على التمثيل النسبي الذي يؤدي غالباً إلى برلمان موزع بين عدد كبير من الأحزاب، الأمر الذي يجعل تشكيل الائتلافات عملية معقدة تتطلب تنازلات واتفاقات شاقة، ولهذا السبب يتوقع كثير من المحللين أن تبدأ المعركة الحقيقية بعد إعلان النتائج، عندما تنطلق مفاوضات تشكيل الحكومة بين القوى المختلفة.
وتشير تقديرات عدد من الخبراء إلى أن السيناريو الأول يتمثل في نجاح الليكود وحلفائه من الأحزاب الدينية والقومية في الحفاظ على الأغلبية البرلمانية، وهو ما يعني استمرار نتنياهو في الحكم لفترة جديدة، أما السيناريو الثاني فيقوم على تمكن المعارضة من بناء تحالف واسع يجمع أحزاب الوسط وبعض قوى اليمين المعتدل، الأمر الذي قد يؤدي إلى تشكيل حكومة جديدة تنهي سنوات طويلة من هيمنة نتنياهو على الحياة السياسية الإسرائيلية.
غير أن هناك سيناريو ثالث لا يقل احتماً عن غيره، ويتمثل في عدم قدرة أي معسكر على تحقيق أغلبية واضحة، بما يعيد إنتاج حالة الجمود السياسي التي عرفتها إسرائيل خلال السنوات الماضية. وفي هذه الحالة قد تدخل البلاد مرحلة طويلة من المفاوضات والضغوط السياسية، وربما تجد نفسها أمام انتخابات جديدة إذا فشلت الأحزاب في التوصل إلى ائتلاف حكومي مستقر.
ويشير بعض المراقبين إلى أن الناخب الإسرائيلي يعيش حالة من التردد غير المسبوق. فمن جهة ما يزال هاجس الأمن يحتل صدارة الاهتمامات العامة، ومن جهة أخرى تتزايد المخاوف من استمرار الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية. وهذا التناقض يجعل سلوك الناخب أكثر صعوبة في التنبؤ، إذ قد يختار الاستمرار مع القيادة الحالية بدافع الخوف من المجهول، أو قد يتجه نحو التغيير بحثاً عن مخرج من الأزمات المتراكمة.
في المحصلة النهائية تبدو الانتخابات الإسرائيلية القادمة أكثر من مجرد استحقاق انتخابي عاديي، إذ تمثل لحظة مفصلية في تاريخ النظام السياسي الإسرائيلي، فالصراع الدائر لا يقتصر على التنافس بين الأحزاب والشخصيات السياسية، بل يعكس مواجهة أعمق حول هوية الدولة واتجاهاتها المستقبلية وبين الليكود وحلفائه من جهة، وتحالفات المعارضة من جهة أخرى، يقف الناخب الإسرائيلي أمام خيارات ستحدد شكل السلطة وطبيعة التحالفات خلال السنوات المقبلة، ومع استمرار الانقسامات الداخله وتعدد القوى الحزبية وصعوبة تشكيل الائتلافات، فإن نتائج الانتخابات قد لا تحسم جميع الخلافات، لكنها ستكشف بلا شك عن الاتجاه الذي يريده المجتمع الإسرائيلي في مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية منذ عقود.
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0







