22 23
كتاب وأراء

قيس رملي يكتب… رحلة إلى الخرطوم

Advertisements

 

بقلم: قيس رملي

في آذار من عام 2023، كنتُ على متن طائرة تهبط ببطء نحو الخرطوم، عاصمة السودان العظيم. من النافذة، رأيتُ النيل يشقّ المدينة كجرحٍ قديم لم يندمل، يلمع تحت ضوء الشمس كذكرى باهتة من زمنٍ أجمل. كنتُ أحمل فضول المسافر، وشوق العربيّ إلى أرضٍ طالما سمعتُ عنها أكثر مما رأيت.

لكن ما إن عبرتُ بوابة الطائرة واتجهتُ نحو صالة الاستقبال، حتى شعرتُ بأن الزمن يتراجع بي. كانت صالة صغيرة، تدور في سقفها مراوح صدئة ببطء، كأنها تئنّ من فرط التعب. الجدران متشققة، والأبواب باهتة، ورائحة الغبار العتيق تمتزج بأنفاس المسافرين.

خرجتُ إلى العراء. كان الهواء ساخنًا يلسع الوجه، مذكّرًا إياي بأنني في قلب الصحراء. أمام الصالة، تصطف سيارات أجرة قديمة، متعبة كأصحابها. اقترب مني أحد السائقين، وعلى وجهه ابتسامة تخفي خلفها الإرهاق، وقال بصوتٍ مبحوح:

– “وين تمشي يا زول؟”

ركبتُ معه، فابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

– “السودان يا أخي بلدٌ غريب… كل شيء فيه جميل ومكسور.”

كان صادقًا في وصفه. كلما مررنا بشارع، رأيتُ نقيضين يسيران جنبًا إلى جنب: أبنية جديدة بلون الطين المشرق، وأخرى تكاد لا تقف على قدميها. أطفال يبيعون المناديل والمكسّرات عند الإشارات، ونساء يحملن سلالًا من الفول السوداني، ورجال يجرّون عربات خشبية تئنّ مع كل حجر في الطريق. وفي الجهة الأخرى، سيارات “لاند كروزر” بيضاء تلمع، كأنها لا تنتمي إلى هذا المكان.

في اليوم التالي، أخذني السائق نفسه إلى شارع السفراء. كانت الشمس حارقة، والطرقات يغطيها غبار أصفر كعباءة الصحراء. مررنا أمام مبنى كلية الطب، صرحٌ عريق يشيخ بكرامة. سألته عنه، فقال وهو يشير بيده:

– “الكلية دي تأسست سنة 1902، أيام الإنجليز. ومن يومها، ما في حكومة أعطتها حقها… ما في حكومة أعطت البلد حقه أصلًا.”

سكت للحظة، ثم نظر إليّ بنبرة يمتزج فيها الحزن بالغضب:

– “والله، لو سلّموك أنت الحكم، لربما قدّمت للسودان أكثر من كل الزعماء الذين حكمونا.”

ابتسمتُ في دهشة، فتابع بحنقٍ صادق:

– “عارف ليه؟ لأن الذين حكمونا… أسوأ من كل شيء على وجه الأرض! عندنا آثار أقدم من مصر، وعندنا ذهب وغاز ونفط ونيل، وثروة نباتية وحيوانية وبشرية، وعندنا ألماس… نحن رئة العالم، لكننا نموت من الجوع!”

ظلت تلك الجملة ترنّ في رأسي أيامًا. كانت كلمات رجلٍ بسيط، لكنها لخصّت وجع وطنٍ بأكمله.

بعد ثلاثة أسابيع من مغادرتي الخرطوم، في منتصف نيسان تقريبًا، اندلعت النيران. بدأت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، وبدأ معها جرحٌ جديد في جسد السودان. ملأت صور البيوت المحترقة الشاشات، وعلت صرخات الأطفال المذعورين في صمت العالم.

تلك المدينة التي كانت تنام على ضوء النيل، صارت الآن تنام على صوت الرصاص.

تذكّرت السائق… وتساءلت: أين هو الآن؟ هل نجا؟ هل لا تزال كلية الطب قائمة؟ وهل يجد الأطفال الذين يبيعون المناديل ماءً يروي ظمأهم؟

العالم يتفرّج بصمتٍ مطبق. الناس يموتون من الجوع، والرصاص، والنسيان… ولا أحد يسمع سوى صدى الخراب.

نحن شركاء في هذا الصمت، شركاء في الدم المسفوك. نرى، ونعرف، ونسكت، وكأن موت الآخرين صار مشهدًا عابرًا في نشرات الأخبار.

في الليلة الماضية، أغمضت عينيّ وتمنيت لو أستطيع العودة إلى الخرطوم؛ لا كمسافر، بل كشاهدٍ يقتلع الرصاصة من صدر هذا الشعب، ويزرعها في جبين عالمٍ أنهكته اللاإنسانية.

 

هذا المحتوى محمي بموجب حقوق الطبع والنشر. لا يُسمح بإعادة نشره أو استخدامه لأغراض تجارية بدون إذن مسبق

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

A Zeno.FM Station
زر الذهاب إلى الأعلى

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

error: Content is protected !!

يرجى السماح بعرض الإعلانات

يرجى السماح بعرض الإعلانات على موقعنا الإلكتروني يبدو أنك تستخدم أداة لحظر الإعلانات. نحن نعتمد على الإعلانات كمصدر تمويل لموقعنا الإلكتروني.