إيجارات مرتفعة وتنقلات طويلة.. واقع قاسٍ يعيشه طلبة الجامعات
كان يُنظر إلى الحياة الجامعية في السابق بوصفها مرحلة مليئة بالحماس وبدايات الاستقلال، حيث يكوّن الطلبة صداقات تدوم مدى الحياة ويعيشون التجربة بعيدًا عن أعباء المسؤوليات الكبيرة. أما اليوم، في عام 2025، فقد بات طلاب في مختلف أنحاء إيرلندا يواجهون واقعًا مختلفًا تمامًا، يثقل كاهلهم البحث عن سكن بأسعار يمكن تحمّلها، في ظل أزمة إسكان خانقة.
وفي مدينة غالواي، التي تُعد تقليديًا وجهة مفضلة للدراسة بفضل مشهدها الثقافي النابض وحياتها الليلية النشطة، ارتفعت الإيجارات إلى مستويات غير مسبوقة.
وتتراوح كلفة سكن الطلبة بين 600 و1,200 يورو بحسب الموقع، فيما تصل إيجارات الشقق ذات الغرفة الواحدة في منطقة وودكواي بوسط المدينة إلى نحو 1,500 يورو شهريًا. ومع هذا الارتفاع الحاد، لم يعد أكثر من نصف عدد الطلبة قادرين على السكن بالقرب من الحرم الجامعي.
وبات كثير من الطلبة يقضون ما يصل إلى أربع ساعات يوميًا في التنقل، بينما يضطر من ينجحون في العثور على سكن داخل المدينة إلى العمل بدوام جزئي لساعات طويلة لتغطية تكاليف المعيشة. وتشير البيانات إلى أن نحو نصف الطلبة يعملون بدوام جزئي من أجل الاستمرار في دراستهم.
وهذه الصورة القاتمة برزت بوضوح خلال لقاءات مع عدد من الطلبة من خلفيات ومناطق مختلفة يدرسون في جامعة غالواي (University of Galway)، حيث أكدوا جميعًا أن أزمة السكن تهيمن على حياتهم اليومية، ورووا تجارب شخصية وصفوها بأنها صادمة نفسيًا.
ومن بين هذه القصص، تبرز تجربة كوسي أوكيكي، وهو طالب من مقاطعة ويستميث، الذي قرر التوقف عن دراسة العلوم الطبية الحيوية بعد عام من الإيجارات المرتفعة والعمل لساعات طويلة بأجر الحد الأدنى.
وقال إنه كان يعمل ما بين 35 و40 ساعة أسبوعيًا خلال الفصل الدراسي الأول لتغطية تكاليف السكن والمعيشة، مضيفًا أن يومه كان يبدأ وينتهي في الظلام.
وأوضح أن الضغط النفسي أثّر بشدة على حياته الاجتماعية، وجعله يشعر بالعزلة والإرهاق، مشيرًا إلى أنه يشعر بالتأخر والاحتراق النفسي، بل وبشيء من الحرج لعدم قدرته على تجاوز هذه المرحلة بسلاسة. وبعد مناقشة القرار مع عائلته، قرر أخذ سنة استراحة للعمل بالقرب من منزله، على أمل إعادة ترتيب أولوياته.
وتكررت الإشارات إلى المشقة النفسية وتأثيرها على الصحة الذهنية لدى طلبة آخرين. فقد تحدثت ريونا أوكونور من كيلدير، التي تدرس الاقتصاد والإعلام العالمي، عن تجربتها في غرفة استأجرتها مقابل 600 يورو، كانت نافذتها تطل مباشرة على مطبخ المالك.
وأشارت إلى وجود رطوبة شديدة، قبل أن يتفاقم الضرر إلى حد انهيار جزء من سقف الحمام خارج غرفتها، ما أربك حياتها اليومية ورفع مستويات القلق لديها بشكل ملحوظ.
أما مولي هيكي من لاويس، وهي طالبة في حقوق الإنسان، فأمضت جزءًا كبيرًا من العام الدراسي متنقلة بين منازل الأصدقاء.
وقالت إنها حضرت معاينات لغرف يبلغ إيجارها ألف يورو شهريًا، مع اشتراط إخلائها بحلول شهر 5 لإعادة عرضها للإيجار السياحي خلال الصيف.
وأظهر استطلاع أجرته نقابة الطلبة في الجامعة، أن 80% من طلبة جامعة غالواي (University of Galway) واجهوا صعوبة في العثور على سكن خلال العام الأكاديمي الماضي، فيما أكد نصفهم أنهم يعملون بدوام جزئي لمواصلة الدراسة.
وقال بادي مارنان، مسؤول شؤون الطلاب في الجامعة، إن عددًا كبيرًا من المساكن يذهب إلى الإيجار السياحي عبر منصات مثل (Airbnb) بدلًا من تأجيرها للطلبة، موضحًا أن هناك أكثر من ألف عقار معروض للإيجار السياحي مقابل نحو مئة فقط للإيجار طويل الأمد على مواقع مثل (Daft.ie) في عموم مقاطعة غالواي.
وأضاف أن الحصول على سكن جامعي بات أشبه بـ«اليانصيب»، في ظل وجود نحو 2,000 سرير فقط بأسعار تتراوح بين 400 و900 يورو شهريًا، داعيًا الحكومة إلى معالجة النقص الحاد في سكن الطلبة وسن تشريعات أقوى لتنظيم الإيجارات داخل المنازل الخاصة.
ولا تقتصر الأزمة على الطلبة المحليين، إذ يواجه الطلبة الدوليون ضغوطًا مضاعفة. فالطالب أريان ثاكور، الذي يدرس ماجستير في تحليلات الأعمال، يعمل لسداد قرض تعليمي بقيمة 30,000 يورو.
وروى تجربة قاسية مع مالك عقار ألزمَه بعقد إيجار غير قانوني لمدة عام، قبل أن تُحل القضية بمساعدة هيئة تنظيم الإيجارات السكنية (Residential Tenancies Board)، إلا أن الأثر النفسي للتجربة بقي حاضرًا.
وتتكرر هذه المعاناة في مختلف أنحاء البلاد، حيث يواجه الطلبة تنقلات يومية طويلة، وساعات عمل غير مستدامة بأجور متدنية، ما يدفع بعضهم إلى تأجيل الدراسة، فيما ينسحب آخرون منها نهائيًا. ورغم الحملات المتكررة التي تطلقها الجامعات لحث الملاك على الاستفادة من مخطط «الإيجار مقابل غرفة»، ومنها توزيع جامعة غالواي نحو 60 ألف منشور في غالواي وكلير خلال الصيف، لا يزال الطلب يفوق العرض، دون وجود خطة واضحة أو حل وشيك في الأفق.
ويختصر الطالب تومي رايس من كراتلو في مقاطعة كلير، الذي يدرس السياسة والاقتصاد ويعمل في قطاع البناء لتغطية إيجار شهري يبلغ 750 يورو، حال زملائه بثلاث كلمات: «مرهقون، مفلسون، وغاضبون»، مؤكدًا أن التجربة الجامعية كما كانت معروفة في السابق تتآكل تدريجيًا تحت وطأة أزمة السكن.
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0






