22 23
Slide showكتاب وأراء

‎ قيس رملي يكتب.. غزة… جريمة تتجاوز حدود التاريخ

Advertisements

 

‎بقلم: قيس رملي

‎في سجل التاريخ لحظاتٌ فارقة، مشاهد لا تُمحى، تسقط فيها الإنسانية وتتهاوى الأخلاق إلى الحضيض. لكن ما نشهده في غزة اليوم يتجاوز كل ذلك، لا لكونه مأساةً فحسب، بل لأنه جريمة تُرتكب على مرأى ومسمع من عالمٍ اختار الصمت، واكتفى بِعَدّ الضحايا.

‎هل هناك جريمة أبشع من تجويع شعبٍ بأكمله؟ أن تُحكم عليه المنافذ، وتُقصف مخازن الغذاء، ويُحرم من الماء والدواء؟ وهل هناك فعلٌ أكثر جبنًا من هدم البيوت على رؤوس ساكنيها، ومحو مدنٍ بأكملها تحت شعار “الدفاع عن النفس”، بينما صور الأطفال تحت الأنقاض تُبث كل ساعة؟

‎في غزة اليوم، يقبع أكثر من مليوني إنسان تحت حصار خانق. عشرات الآلاف سقطوا، غالبيتهم من النساء والأطفال. قُطعت الكهرباء، وشُلّت المستشفيات، وغرق العالم في سباته بينما تحوّل عشرات الآلاف من الأطفال إلى شهداء في ذاكرة أمةٍ أصابها الخَرَس.

‎فأين هو العالم؟

‎أين الدول التي تتشدق بشعارات حقوق الإنسان؟

‎أين المنظمات التي “تُدين” ثم تمضي في طريقها؟

‎وأين نحن من كل هذا الخراب؟

‎لم يعد الصمت موقفًا محايدًا، بل أصبح تواطؤًا صريحًا. ولم يعد العجز قلة حيلة، بل قرارًا دوليًا بصياغة موتٍ جماعي “مُهذّب”، لا يُحرّك ساكنًا في العواصم ولا يُقاطع المؤتمرات.

‎غزة لا تستجدي الشفقة، بل تطالب بالعدالة. تحتاج إلى عالمٍ يرى ويسمع ويتحرك.

‎لكنهم يخشون. يخشون مواجهة كيانٍ تجرّد من كل معاني الإنسانية، وأصبح نموذجًا للقوة الغاشمة. يخشون أن يُوصموا بمعاداة السامية إن انحازوا للضحية. يخشون خسارة مصالحهم في عواصم تسكت على الدم، ما دام النفط يتدفق وصفقات السلاح تُبرم.

‎هل هناك أقذر من جيشٍ يقتل بلا تمييز؟ وهل هناك أحقر من دولةٍ تتباهى بجرائمها وتصورها “نصرًا”؟ إنه ليس مجرد احتلال، بل كيان متغطرس، مسكون بهوس القوة، وملوث بأوهام التفوق.

‎ولكن، للتاريخ كلمته الفصل.

‎فكل أمةٍ مارست البطش وأفلتت من العقاب، ظنًا أن الجغرافيا ستحميها والشرعية ستبرر أفعالها، عادت يومًا إلى مزبلة التاريخ. وكل دولةٍ صمتت، دفعت ثمن خيانتها للقيم. وكل صرخة انطلقت من تحت الركام، ستجد طريقها حتمًا إلى النور.

‎إن مشاهد الإبادة التي يراها جيل اليوم لن تُمحى من ذاكرته. ستبقى حية في وجدانه، حتى تنقلب الموازين، ويُجتث هذا الورم الخبيث.

‎غزة ستبقى… أما ما تبقى من ضمير العالم، فهو الذي على المحك.

 

هذا المحتوى محمي بموجب حقوق الطبع والنشر. لا يُسمح بإعادة نشره أو استخدامه لأغراض تجارية بدون إذن مسبق

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

A Zeno.FM Station
زر الذهاب إلى الأعلى

arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

يرجى السماح بعرض الإعلانات

يرجى السماح بعرض الإعلانات على موقعنا الإلكتروني يبدو أنك تستخدم أداة لحظر الإعلانات. نحن نعتمد على الإعلانات كمصدر تمويل لموقعنا الإلكتروني.