«الجنسية أكثر من مجرد جواز سفر».. مواطنون جدد يروون رحلتهم نحو الانتماء إلى إيرلندا
تشعر راشيل روزمان، المولودة في مدينة ناشفيل الأمريكية، وكأنها «فازت باليانصيب» بعد حصولها على الجنسية الإيرلندية.
وتقول: «لقد نجونا، إلى حد ما، من الوضع الكارثي».
وكانت راشيل وزوجها جاي روزمان من بين 5,600 شخص من أكثر من 138 دولة حصلوا على الجنسية الإيرلندية عن طريق التجنيس الأسبوع الماضي، خلال مراسم أقيمت في مركز المؤتمرات في دبلن.
وقالت راشيل عقب المراسم: «أشعر بارتباط أعمق بإيرلندا، وبثقة جديدة في أن هذا البلد هو بالفعل وطننا… لقد فاجأني مدى عمق هذا الشعور».
وأضافت: «عندما قال لي أصدقائي: مرحبًا بك في القبيلة، أدركت أنني كنت من الخارج».
لكن أجواء الفرحة التي أحاطت بالمناسبة خيّم عليها إلى حد ما إعلان الحكومة خططًا لإجراء تغييرات واسعة على قواعد الجنسية، من بينها زيادة مدة الإقامة المطلوبة من خمس سنوات إلى ثماني سنوات، إلى جانب متطلبات جديدة تتعلق بالمعرفة المدنية والوضع المالي.
وعلى خلاف العدد القياسي البالغ 18,900 مواطن أمريكي تقدموا للحصول على الجنسية الإيرلندية في عام 2025 عبر «سجل المواليد في الخارج» (Foreign Birth Register)، لا يملك الزوجان روزمان والدين أو أجدادًا إيرلنديين، وإنما يعيشان في إيرلندا منذ عام 2018.
وقد قطعت راشيل شوطًا طويلًا منذ رد فعلها عندما تلقى زوجها الأكاديمي عرضًا للعمل في «جامعة كوليدج كورك» (UCC) عام 2017. ففي ذلك الوقت، كانا يعيشان في بيتسبرغ بالولايات المتحدة، وتقول: «كانت الحياة جيدة. كنا نمتلك منزلًا، وكنا قد بدأنا تكوين أسرة».
وكانت مسيرة راشيل المهنية في مجال المبيعات تتقدم بسرعة، في الوقت الذي كان فيه زوجها يستكمل درجة الدكتوراه. ومع ذلك، كانت تؤيد تمامًا فكرة الانتقال إلى «أي مكان يحصل فيه على وظيفة».
وتتذكر أنها كانت ترضع طفلتهما حديثة الولادة في الرابعة صباحًا عندما استيقظ جاي على رسالة بريد إلكتروني تحمل عرض العمل.
وقالت: «ظللت أبكي وأبكي… كنت أعلم أنه شيء لن نقول له لا».
لكن الولايات المتحدة كانت قد بدأت بالفعل في التحول في ظل وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض. والآن، بينما ترى راشيل الكثير من الأمور «يتم تجريد الناس منها»، تقول إنها تشعر «بالامتنان والارتياح، وأحيانًا بالذنب… بسبب معرفتي بما يمر به الأصدقاء وأفراد العائلة».
أما جاي، المولود في ولاية فيرمونت، فلا يمتلك جذورًا إيرلندية، لكن إيرلندا وتاريخها جذباه إليها، وانتهى به المطاف محاضرًا متخصصًا في التاريخ الإيرلندي في القرن التاسع عشر.
وبدأت رحلته عندما درس مقررًا في التاريخ الإيرلندي خلال فصل دراسي أمضاه في المملكة المتحدة، قبل أن يحصل لاحقًا على درجة الماجستير من «جامعة كوينز بلفاست»، ثم درجة الدكتوراه في التاريخ الإيرلندي في بيتسبرغ.
وقال: «لقد رسّخ ذلك لديّ بالفعل مدى حضور الماضي وأهميته في الطريقة التي يفكر بها الناس في العالم الذي يعيشون فيه، بطريقة لم أشعر بها بالقدر نفسه مع التاريخ الأمريكي».
وكان التاريخ أيضًا، ممثلًا في جائحة «كوفيد-19» وترامب، من العوامل التي ساعدت الزوجين على إدراك طبيعة علاقتهما بإيرلندا بشكل أوضح.
وخلال الجائحة، شعرا بأنهما «آمنان ومترابطان» في إيرلندا، بينما كانا «يتابعان ما يحدث في أمريكا».
وقالت راشيل: «شعرنا بأننا أكثر استقرارًا هنا مع مرور الوقت».
وفي العام الجاري، انتقلا أخيرًا إلى منزل يمتلكانه في كورك.
وأضافت راشيل: «شعرنا وكأن كل شيء قد اكتمل»، موضحة أن الحصول على الجنسية بدا وكأنه «الخطوة الطبيعية التالية في الحياة التي بنيناها هنا».
وعلى الرغم من أنهما أصبحا مواطنين إيرلنديين، فإن أياً منهما لا يشعر بالضرورة بأنه إيرلندي بالكامل.
وقال جاي: «أنا لست من هذا المكان، لكن الجنسية تزيل عبء القلق بشأن المكان الذي نسميه وطنًا، والمكان الذي نريد أن نضرب فيه بجذورنا، والمكان الذي نريد أن نساهم فيه».
وترى راشيل أن إيرلندا غيرتها، وعلمتها ما تصفه بعقلية «كل شيء سيكون على ما يرام»، وكذلك التفكير في «ما الجدوى من التوتر والاستعجال؟».
وأضافت: «لقد جعلني ذلك شخصًا أفضل، وأكثر صبرًا وثقة بالآخرين».
وقال جاي: «عندما تعيش في أي مكان لفترة طويلة… تتغير طريقتك بأكملها في التعامل مع العالم».
وأضاف أن المواطنين الجدد «لا يتعلق وجودهم بتغيير إيرلندا، وإنما بالنمو مع إيرلندا وثقافتها».
وتعني مراسم الأسبوع الماضي أيضًا أن الزوجين أصبح بإمكانهما التقدم بطلب للحصول على الجنسية لطفلتهما، التي انتقلت إلى إيرلندا بعد ثلاثة أيام فقط من عيد ميلادها الأول.
وقال جاي: «لقد وُلدت في الولايات المتحدة، لكن كل ما تعرفه ثقافيًا هو كورك».
ولا يزال عدد المواطنين الأمريكيين الذين يحصلون على الجنسية الإيرلندية عن طريق التجنيس صغيرًا، بينما يشكل الهنود أكبر مجموعة، إذ تجاوز عددهم 5,000 شخص في العام الماضي.
ومن بينهم طارق أنور، الذي شعر بسعادة كبيرة عندما حصل على جواز سفره الإيرلندي الشهر الماضي، بعدما حضر مراسم منحه الجنسية في شهر 6.
وبدأت رحلة أنور نحو الجنسية الإيرلندية بعد تخرجه قبل 11 عامًا، عندما كان يبحث عن «السلام» وعن «مكان جميل وهادئ»، بعدما أمضى السنوات العشرين الأولى من حياته وسط الكثافة السكانية الهائلة في نيودلهي.
وبالنسبة لأنور، فإن تحوّل إيرلندا إلى مكان يشعر فيه بأنه «في وطنه» يعود بدرجة كبيرة إلى الأشخاص الذين التقاهم، وقد بدأ ذلك منذ لحظة وصوله إلى البلاد.
ويروي قصة سائق سيارة الأجرة الذي نقله من المطار إلى محطة الحافلات ورفض الحصول منه على الأجرة.
وقال: «كنت أقول لنفسي: كيف يكون ذلك ممكنًا؟ كيف يرفض أخذ المال؟».
كما يتذكر الأستاذ الجامعي الذي طلب منه إرشاده إلى الطريق في أول يوم له في «جامعة غالواي»، حيث كان يدرس للحصول على درجة الماجستير في علم الأدوية العصبية.
وقال: «بدأ يركض وقال لي: اتبعني، بينما كان يسألني عن كل شيء يتعلق بي… لم أختبر شيئًا كهذا من قبل».
وفي السنوات التالية، ساهمت عبارة «مرحبًا بعودتك إلى وطنك»، التي كان يسمعها من موظف الهجرة في المطار عند رؤية تصريح إقامته، في تعزيز إحساسه بالانتماء.
وقال: «إنهم لا يقولون لي حتى: مرحبًا بعودتك إلى وطنك، عندما أصل إلى نيودلهي».
وبعد حصوله على درجة الماجستير، انتقل إلى دبلن للعمل في قطاع الصناعات الدوائية، ويقول إن لديه الآن «أصدقاء في إيرلندا أكثر مما لديّ في الهند».
وكان فهم أوجه التشابه التاريخية بين بلدين خضعا في السابق للاستعمار البريطاني أمرًا مهمًا بالنسبة إلى أنور.
وقال: «لم تكن لدينا أبدًا فكرة أن بلدًا بعيدًا إلى هذا الحد يمكن أن يكون قد مر بالصراعات والمشكلات نفسها».
وفي المقابل، يترك أنور بصمته على البلد الذي اتخذه وطنًا من خلال اهتمامه بالأزياء؛ إذ أصبح هذا الصيف أول رجل يفوز بجائزة «The K Club» لأكثر رواد سباقات الخيل أناقة.
ويرجع أنور اهتمامه بالأزياء إلى طفولته، عندما لم يكن يمتلك، على عكس أصدقائه، ملابس عصرية. ولذلك، عندما بدأ في كسب المال في إيرلندا، شرع في شراء ملابس جميلة لنفسه.
وقال: «عندما يراني الناس أنيقًا، يعتقدون أن الأمر يتعلق فقط بهذا المظهر الخارجي، لكنه يمثل شخصيتي وطفولتي وحياتي كشخص بالغ. إنه مزيج من كل شيء امتلكته، وكل ما عانيت منه ومررت به».
وبالنسبة إلى أنور، فإن حجم التغيير الذي أحدثته إيرلندا فيه لا يظهر بصورة كاملة إلا عندما يزور الهند؛ فيترك الآخرين يصعدون إلى الحافلة قبله، أو يدخل في حديث ودي مع أحد النُدُل، وهو ما يثير دهشة النادل وحتى والده، بحسب قوله.
وما يتضح من تجربتي أنور والزوجين روزمان هو أن مفهوم «الإيرلندية» بالنسبة إليهم أصبح يتجاوز بكثير مجرد الوثائق الرسمية، ليصبح شعورًا بالانتماء إلى شيء أكبر.
وقال أنور: «كان جزء كبير جدًا مني إيرلنديًا قبل وقت طويل من حصولي على جواز السفر… وأصبح معنى أن أكون إيرلنديًا بالنسبة إليّ هو الشعور بالانتماء».
أما جاي روزمان، فعندما كان يهنئ المواطنين الجدد الآخرين الذين وضعوا أيضًا شارات إيرلندية على ملابسهم، قال إن الأمر «بدا قليلًا وكأنني أصبحت عضوًا في نادٍ».
المصدر: Irish Times
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0







