عبدالله السلايمة يكتب … عندما تنتخب إيرلندا… وترتعب إسرائيل
لم يكد يُعلن فوز كاثرين كونولي برئاسة إيرلندا، حتى اهتزّت الأوساط الإسرائيلية بحالة من الارتباك. فالرئيسة الجديدة لم تكن يومًا شخصية يطمئنّ لها صانع القرار في تل أبيب؛ على العكس، كانت دائمًا صوتًا مرتفعًا في مواجهة الاحتلال، لا تُجمّل كلماتها، ولا تخشى الاتهامات الجاهزة التي تُلقيها إسرائيل على كل من يجرؤ على انتقادها. ولهذا، لم يكن غريبًا أن تطلق الصحافة الإسرائيلية أولى رصاصات القلق فور إعلان النتيجة.
صحيفة «جيروزاليم بوست» وصفت كاثرين كونولي بأنها «الأكثر عداء لإسرائيل»، وهو توصيف يكشف أكثر مما يخفي. فإسرائيل، التي اعتادت أن تسمع من العواصم الأوروبية لغة دبلوماسية رخوة، تدرك جيدًا أنها تواجه مع كونولي خطابًا واضحًا لا يعرف الالتفاف؛ رئيسة تعتبر ما يجري في غزة إبادة، وتتحدث عن الفلسطينيين بوصفهم شعبًا يملك الحق الكامل في مقاومة الاحتلال، وترفض الرواية الإسرائيلية التي أرادت تل أبيب أن تحتكرها لسنوات طويلة.
وما يثير غضب إسرائيل أكثر، أن كونولي لا تتعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا إنسانيًا عابرًا، بل كقضية تحرّر وحقوق، وجزء من هوية سياسية لإيرلندا نفسها. وهذه النظرة نادرة في القيادات الأوروبية التي غالبًا ما تحسب خطواتها بمعايير المصالح والتحالفات. أمّا كونولي، فتبدو وكأنها تعرف جيدًا أين يجب أن تقف، حتى لو أثار ذلك عاصفة من الهجوم الإسرائيلي.
الكاتب الإسرائيلي آشر ماوز لم يُخفِ انزعاجه حين كتب أن إسرائيل «مقبلة على أيام صعبة». ولعله محقّ؛ فوجود رئيسة أوروبية بهذه الجسارة، وبحساسية تاريخية تجاه الاحتلال، يعني أن إسرائيل تفقد إحدى المناطق المريحة التي طالما تحركت فيها دون محاسبة حقيقية. ويعني كذلك أن الاتحاد الأوروبي قد يجد نفسه أمام خطاب جديد يضغط على ضميره، لا على مصالحه فقط.
إسرائيل، التي اعتادت اللعب داخل منطقة رمادية في أوروبا، تجد نفسها اليوم أمام قناعة سياسية تتشكّل ببطء، لكنها تزداد صلابة: أن ما يجري في فلسطين لم يعد قابلًا للتجميل ولا للإخفاء. وأن أصواتًا مثل صوت كونولي لم تعد استثناء، بل مقدّمة لتحوّل أوسع في الوعي الأوروبي تجاه الاحتلال، خاصة بعد سنوات طويلة من الصور القادمة من غزة، ومن التقارير الحقوقية التي لم تعد العواصم قادرة على إنكارها.
القلق الإسرائيلي مبرر؛ فكونولي ليست فقط خصمًا سياسيًا، بل مرآة تضع أمام إسرائيل صورتها الحقيقية كما يراها العالم اليوم: دولة تمارس القمع، وتُتهم بالإبادة، وتواجه عزلة تتسع يومًا بعد يوم.
وإذا كانت تل أبيب تتساءل اليوم: لماذا تخشى كونولي؟ فالإجابة بسيطة: لأنها لا تخاف منها، بل تخاف مما تمثّله؛ تمثل صوتًا أوروبيًا جديدًا، أكثر جرأة وأقل خضوعًا، يرى القضية الفلسطينية كما هي، لا كما تريد إسرائيل أن تُروى.
وفي النهاية، قد لا يغيّر انتخاب رئيسة واحدة ميزان القوى، لكنه يغيّر شيئًا أهم: طريقة الكلام. وحين يتغيّر الكلام في أوروبا، تبدأ الحقائق في التحرّك، وتبدأ إسرائيل في الشعور بأن زمن الإفلات من المساءلة لم يعد طويلًا كما كان.
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0

