بين الخوف والأمل.. كيف تعيش عائلة فلسطينية في إيرلندا مأساة أقاربها في غزة
دمّرت الغارات الجوية الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة مساحات واسعة من مدينة غزة، وقال الدفاع المدني الفلسطيني، إن ما لا يقل عن خمسين مبنى متعدد الطوابق سُوّيت بالأرض، فيما أُجبر آلاف السكان على الفرار.
- تبرعك سيكون له دور كبير في دعم رسالتنا وإحداث فرق حقيقي – للتبرع اضغط هنا
- تواصل معنا على فيسبوك أيرلندا بالعربي
- للانضمام لـ قناة تليغرام اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة اليوتيوب اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة الفيسبوك اضغط هنا
ومع استمرار القصف، تحدث برنامج «Prime Time» مع عائلة إيرلندية – فلسطينية في شمال مقاطعة دبلن تعيش حالة متواصلة من القلق، إذ يحاول عشرون من أقاربها في غزة إيجاد سبيل للنجاة.
بالنسبة إلى «نيسان ديب» وأفراد عائلتها، فإن كل رنين يصدر عن هاتفهم قد يحمل أخبارًا عن الجوع أو النزوح أو الأسوأ من ذلك من أقاربهم المحاصرين في القطاع.
وتقول نيسان وهي تتفقد أحدث رسائل «واتساب» من أبناء عمومتها في غزة: «الرسائل تزداد يأسًا، وما يصفونه لنا يبدو، صدقوا أو لا تصدقوا، أكثر رعبًا».
تتوالى القصص عن إطلاق النار أثناء الوقوف في طوابير المساعدات، والعيش على حصص محدودة من الحساء والخبز، والاعتماد على مياه مالحة للشرب.
وتضيف نيسان من مطبخها في دبلن: «لقد تلقّوا أوامر إخلاء هذا الصباح من دون أن يكون لديهم مكان يذهبون إليه».
وبعد ضربة أصابت المخيم الذي كانوا يقيمون فيه، أرسل أقاربها رسالة تقول إنهم سعداء لأنهم ما زالوا على قيد الحياة رغم فقدانهم للمأوى.
وتنحدر نيسان من عائلة مكوّنة من ستة أشقاء في بلدة «لوسك» بمقاطعة دبلن، وكان والدها «إبراهيم» قد وصل إلى إيرلندا عام 1975.
وغادر إبراهيم مسقط رأسه غزة عام 1966، ثم التقى بزوجته الإيرلندية «مايف» أثناء إقامته في إسبانيا. وبعد ولادة طفلهما الأول «نيل» انتقلا إلى دبلن واستقرا هناك، لكن غزة ظلّت حاضرة دائمًا في حياة العائلة.
بالنسبة لأبناء ديب، لم تكن غزة مجرد مكان في الأخبار. فقد اعتادوا في طفولتهم زيارة أجدادهم وأقاربهم هناك، ما جعلها جزءًا من واقعهم.
وتقول نيسان: «عندما نتحدث عن غزة نتذكر جدي وجدتي، سيدو وتيتا. تلك الذكريات أصبحت ثمينة جدًا. كنا نذهب إلى دير البلح ونقصد الشاطئ ونتجول في الأسواق. كلها كانت لحظات مهمة».
وتُري نيسان فريق برنامج Prime Time مقاطع فيديو منزلية وألبومات صور توثق زيارات العائلة لشواطئ غزة المزدحمة واحتفالاتهم على الشرفة.
كانت آخر زيارة لنيسان إلى منزل أجدادها في عام 1994، ورغم أن المنزل ما زال قائمًا، إلا أنه لم يسلم كليًا من الحرب.
وتقول: «أصاب صاروخ جانبه أو مؤخرته، وأصبح بالكاد صالحًا للسكن. لا أريد أن أفكر في احتمال زواله. هل هذا يعني أن غزة تُمحى من الوجود؟».
ورغم وفاة الجدين، ما زال أبناء عمومة نيسان في غزة، إذ بقي هناك أربع عائلات تضم عشرين شخصًا، بينهم ثلاثة عشر طفلًا تتراوح أعمارهم بين أربع وسبع عشرة سنة.
ويتم التواصل معهم عبر مجموعات على «واتساب»، بينها مجموعة مخصصة لمحاولات دعم جهود الإجلاء.
وتوضح نيسان: «نتحدث معهم عن الإجلاء، وأعمار الأطفال، ومن يملك جوازات سفر أو شهادات ميلاد، وكل هذه التفاصيل. هم يعلمون أن الأمر معقد وسيستغرق وقتًا».
وتابعت: «تواصلنا مع عدد من المحامين، وأخبرونا أن فرص حدوث ذلك شبه معدومة. لكن لا يمكن أن نقبل هذا كإجابة نهائية».
وراء هذه الرسائل وجهود الإجلاء يقف والدها إبراهيم، الذي تعود ذكرياته مع غزة إلى عقود مضت، إذ استقرت عائلته هناك بعد تهجيرها عام 1948، عندما اندلع صراع تحوّل إلى حرب شاملة أدت إلى تهجير أكثر من نصف سكان فلسطين. ويُطلق الفلسطينيون على تلك الفترة اسم النكبة.
ذلك التاريخ يجعل المشاهد التي يراها إبراهيم اليوم أكثر إيلامًا، وبعضها يثير شعورًا عميقًا بالذنب.
ويقول إبراهيم: «الشعور بالذنب أمر صعب. لم أنم نومًا مريحًا منذ سنوات. عندما أجلس لتناول الطعام وأفكر في بقايا الطعام التي نرميها، أقول لنفسي: يا إلهي، هناك أشخاص في غزة يتمنون ولو جزءًا صغيرًا من هذا الطعام».
ذلك الإحساس لا يقتصر على إبراهيم؛ فابنته نيسان تصف شعورًا غير مسبوق يلازمها بسبب الحصار المستمر على غزة: «أعرف ما يعنيه القلق والتوتر، لكن هذا الإحساس مختلف، إنه شعور عميق لا يمكن وصفه. كأن قلبك غير مستقر».
وأضافت: «أتخيل القنابل تتساقط بالقرب منك، وهم يسمعونها قريبة جدًا. وفي النهاية هم أطفال، ويمكن أن يكونوا أطفالنا نحن».
يوم الثلاثاء الماضي أصدرت القوات الإسرائيلية أمر إجلاء يشمل المنطقة التي كان يعيش فيها بعض أقارب نيسان. وجاء في رسالة عبر «واتساب» من أحد أقاربها: «المخيم الذي كانت فيه زوجتي وأطفالي قُصف، لكن الحمد لله غادروا قبل دقائق. هم الآن بلا مأوى أو منزل أو حتى خيمة. صلّوا لأجل سلامتهم».
الأطفال المعنيون أعمارهم 14 و11 وست سنوات. تقول نيسان بصوت متهدج: «لا أعرف كيف أرد على ذلك. ما زلت أفكر في الرسالة منذ وصولها أمس».
لقد جعل القصف المستمر على غزة، إلى جانب وفاة شقيقهم المحبوب نيل عام 2023، السنوات الأخيرة فترة من الحزن والألم المستمرين لعائلة ديب.
ومع ذلك، تعبر نيسان عن امتنانها للدعم الذي تشعر به من المجتمع المحلي الإيرلندي، قائلة: «الأمر رائع. أنا وأخواتي نقول دائمًا: الحمد لله أننا نعيش هنا. وحتى أقاربنا في غزة يقولون إن الإيرلنديين كانوا الأكثر دعمًا على مستوى العالم».
لكنها تعترف بأن هذا التضامن لا يغيّر واقع معاناة العائلة في غزة: «حتى الرسالة التي تلقيتها أمس تخبرني أنهم بلا خيمة الآن. تقول الرسالة إن الطائرات تحلق على علو منخفض فوقهم. وأتساءل: يا إلهي، هل سيبقون أحياء هذه الليلة؟ هل ستكون هذه هي الليلة التي يموتون فيها؟ لا أعلم».
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0





