سامح أسعد.. من نابلس إلى غالواي في رحلة إنسانية لإنقاذ الموسيقى
في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 07/15، غادر سامح أسعد منزله في مدينة نابلس بالضفة الغربية، تاركًا وراءه أدوات ضبط البيانو، وثلاثة أطفال، وزوجة، وذكريات موطنه، لينطلق في رحلة طويلة امتدت 12 ساعة بالسيارة إلى الأردن، ومنها إلى إيرلندا، حيث يبدأ تدريبًا متخصصًا مع خبير البيانو الإيرلندي كياران رايان في مدينة غالواي.
- تبرعك سيكون له دور كبير في دعم رسالتنا وإحداث فرق حقيقي – للتبرع اضغط هنا
- تواصل معنا على فيسبوك أيرلندا بالعربي– واتساب: 0830955805
- للانضمام لـ قناة تليغرام اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة اليوتيوب اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة الفيسبوك اضغط هنا
وجاءت هذه الرحلة الاستثنائية بعد أن تم تحويل التمويل الذي كان مخصصًا لتدريب سامح من مؤسسة ثقافية فلسطينية إلى دعم غزة في ظل الحرب المستمرة هناك، ما دفع رايان وأحد جيرانه لإطلاق حملة تبرعات عبر منصة (GoFundMe)، نجحت في جمع أكثر من 3,400 يورو خلال 24 ساعة فقط، لتغطية تكاليف السفر.
وقال رايان: “نحن نعرف جيدًا كيف تُستخدم محو الثقافة كوسيلة لتجريد الناس من إنسانيتهم، وندرك في تاريخنا مدى ارتباط الهوية بالثقافة. لذلك كان من المهم جدًا أن يحدث هذا اللقاء مع سامح، لأنه ليس مجرد تدريب، بل فعل مقاومة ثقافية”.
وبمجرد حصول سامح على جواز سفره وتأشيرته من السفارة الإيرلندية في تل أبيب، تم شراء تذاكر السفر باستخدام أموال التبرعات. إلا أن الرحلة لم تكن سهلة؛ إذ تم منعه من ركوب الطائرة المتجهة إلى فرانكفورت رغم استيفائه جميع الوثائق، لأسباب غير معلنة من الجانب الألماني، ما اضطر رايان لحجز تذكرة جديدة إلى إسطنبول، ومنها إلى دبلن، حيث وصل سامح في 07/17، بعد مكالمة من ضابط الهجرة في مطار دبلن أكدت أخيرًا وصوله بسلام.
سامح أسعد، البالغ من العمر 44 عامًا، موسيقي فلسطيني يُدرّس الموسيقى في نابلس ويعزف على آلة العود. بدأ رحلته الموسيقية في سن 18، بعد سنوات من البحث عن معلم وتوفير المال لشراء عوده الأول، والذي صُنع له خصيصًا على يد أستاذه علي حسنين في نابلس، وما زال يحتفظ به حتى اليوم.
ودرس سامح الموسيقى في جامعة النجاح الوطنية، لكن اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000 أثّر بشدة على أحلامه المهنية. “أنهيت دراستي، لكن من الصعب وقتها أن تجد عملًا في الموسيقى، فالناس بالكاد كانوا قادرين على شراء الطعام”، يقول سامح.
وفي عامي 2007 و2008، شارك في ورش عمل متخصصة في ضبط البيانو نظمتها مؤسسة “نابلس للثقافة والموسيقى”، وهي منظمة بلجيكية، وكانت تلك المرة الأولى التي يتعرّف فيها على عالم آليات البيانو من الداخل، من مفاتيح ومطارق وأدوات لم يرَ مثلها من قبل. ويتذكر قائلًا: “خلال أربع سنوات في الجامعة، لم يأتِ أحد لضبط أو صيانة البيانو”.
لاحقًا، اختير سامح من بين 15 مشاركًا للدراسة لمدة تسعة أشهر في معهد (ITEMM) للتكنولوجيا الموسيقية في مدينة لو مان الفرنسية عام 2009، وهي أول مرة يسافر فيها إلى أوروبا. وبعد عودته، التقى بالموسيقية الإيرلندية هانا غالاغر، المتطوعة حينها في نابلس، والتي عملت لاحقًا أستاذة في معهد إدوارد سعيد للموسيقى في رام الله بين عامي 2013 و2016، حيث توطدت علاقتهما وأصبحا أصدقاء مقرّبين.
وتقول هانا: “رغم وجود منغّم بيانو مسن في القدس الشرقية، إلا أن نظام بطاقات الهوية والقيود العسكرية تجعل من سامح عمليًا المنغّم الوحيد المتاح حاليًا في الضفة الغربية”. وتضيف: “الاحتلال يتسلل إلى كل تفاصيل الحياة، لا أحد في منأى عنه”.
تأخيره لمدة ثلاث ساعات على حاجز عسكري خلال رحلته إلى رام الله في شهر 3 الماضي لضبط بيانو قبيل حفل موسيقي، مثال حي على التحديات التي يواجهها.
ويقول سامح: “كل شيء يعتمد على مزاج الجندي إن أراد أن يسمح لك بالمرور أم لا”، مضيفًا أن الحرب في غزة زادت الوضع تعقيدًا: “بعد بدء الحرب، بقيت ثلاثة أو أربعة أشهر دون أي عمل في مجال ضبط البيانو، فالناس كانوا غارقين في الحزن والإحباط”.
ورغم هذه الصعوبات، أراد سامح أن يُطوّر مهاراته أكثر، وهذه المرة في إيرلندا. “كنت قد سمعت عن موقف إيرلندا الداعم لنا وتاريخها المشترك معنا في النضال، فطلبت من هانا أن تساعدني في إيجاد مكان للتدريب على البيانو الكبير، فقالت لي: وجدت من يرحّب بك”.
ويشرح رايان أن ضبط البيانو هو “فن ميكانيكي يتطلب فهمًا عميقًا لكيفية تفاعل الخشب والتناغم معه”، ويقول ضاحكًا: “الكثير من الشباب يفكون الدراجات النارية، أما أنا فاخترت شيئًا داخليًا لا يرهق اليدين مثلها”.
ومن أولى الحيل التي علّمها رايان لسامح، كانت استخدام زيوت الوجه لتليين قطع البيانو الدقيقة، وهي طريقة فعالة لأنها لا تؤثر على الخشب.
اليوم، يشعر سامح ورايان بالامتنان لأنهما أصبحا يعملان معًا على آلات البيانو في مختلف أنحاء إيرلندا، ويتنقلان من مكان لآخر لتقديم خدمات الضبط والصيانة.
وسيتولى سامح قريبًا مسؤولية ضبط بيانو لحفل موسيقي في دبلن قبل عودته إلى نابلس في 08/25 المقبل.
ويقول رايان: “نحن نتظاهر، نكتب الرسائل، نمارس الضغوط على السياسيين، لكن هذه كانت فرصة حقيقية لفعل شيء عملي عبر مهنتي ومشاركتها مع شخص يستحقها”.
ويضيف: “أنا واثق أنه سيعود إلى فلسطين بشيء ملموس يفيد المجتمع الموسيقي هناك”.
المصدر: Irish Times
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0







