كاهيرسيفين.. البلدة الإيرلندية التي تحولت إلى موطن ثانٍ للأوكرانيين
«عندما كنت صغيرة، كنت أعتقد أن أوكرانيا هي الدولة الوحيدة في العالم»، تقول كاتيرينا ريشيتنيكوفا لصديقتها صوفيا لابتينكو، قبل بدء التدريبات على مسرحية الكريسماس في المدرسة، فترد صوفيا: «لم أكن أعرف حتى بوجود إيرلندا قبل أن آتي إلى هنا»، بينما تتبادل الصديقتان الحديث في أجواء ودية تعكس مسار اندماج إنساني عميق بدأ منذ سنوات قليلة.
الفتاتان، وكلتاهما في الحادية عشرة من العمر، تدرسان في الصف الخامس بمدرسة (Scoil Saidhbhín) في بلدة كاهيرسيفين جنوب مقاطعة كيري، وتشاركان في عرض مدرسي لمسرحية «ترنيمة الكريسماس» للكاتب تشارلز ديكنز، وهي قصة تسلط الضوء على قيم التعاطف والرحمة والكرم، وهي القيم نفسها التي ميّزت تعامل البلدة مع الوافدين الأوكرانيين منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا في شهر 2022/02.
وعلى عكس شخصية «سكروج» في الرواية، أدركت كاهيرسيفين منذ اللحظة الأولى أهمية التضامن الإنساني، إذ سارعت إلى استقبال الفارين من الحرب.
ووفق تقرير صادر الشهر الماضي عن المكتب المركزي للإحصاء (CSO)، تم إصدار 119,043 رقم خدمة عامة شخصية «PPS» للأوكرانيين منذ وصولهم إلى إيرلندا عقب الغزو الروسي، فيما كان 83,594 أوكرانيًا لا يزالون مقيمين في البلاد حتى نهاية شهر 8.
وأشار التقرير إلى أن منطقة (Kenmare Municipal District) في مقاطعة كيري، الممتدة من كينمير مرورًا بطريق «حلقة كيري» وصولًا إلى كيلورغلين، سجلت أعلى عدد من الوافدين الأوكرانيين بواقع 1,873 شخصًا، إضافة إلى أعلى نسبة من الأوكرانيين مقارنة بعدد السكان، حيث تصدرت كاهيرسيفين قائمة البلدات من حيث كثافة الوجود الأوكراني.
في شهر 2022/03، وصل نحو 200 أوكراني، معظمهم من النساء والأطفال، إلى كاهيرسيفين، وتم إسكانهم في فنادق محلية، ما شكّل تحديًا فوريًا للمدارس. وتروي تيريزا ني كرونين، مديرة مدرسة (Scoil Saidhbhín)، كيف علمت يوم جمعة بوصول هذا العدد الكبير للإقامة في فندق «سكيليغ ستار»، وكان بينهم ما بين 40 و50 طفلًا يحتاجون إلى أماكن دراسية في مدرسة لا يتجاوز عدد طلابها 101 تلميذ.
وتقول: «أتذكر أنني نظرت من باب المدرسة في أول صباح، ورأيت نحو 200 طفل وبالغ يقفون بصمت عند البوابة، وكنت قد وضعت خطة لبدء استقبال أصغر الأطفال أولًا، لكنني فوجئت بوجوه صامتة لا تفهم ما أقول، إلى أن رفعت إحدى الفتيات يدها وقالت: “أنا أتحدث الإنجليزية”، وكانت تلك لحظة إنقاذ حقيقية».
وتضيف أن طاقم المدرسة «تعرض لضغط هائل» مع ارتفاع عدد الطلاب من 101 إلى 154، ووصول عدد التلاميذ في أحد الصفوف من 14 إلى 32، لكن الأطفال أظهروا روحًا استثنائية، إذ «تراجعوا instinctively خطوة إلى الخلف وفتحوا قلوبهم لاستقبال الجميع». ومع تنظيم دروس لغة إنجليزية ودعم من وزارة التعليم، ارتفع عدد العاملين في المدرسة من 7 إلى 10.
واليوم، لا يتحدث الطلاب الأوكرانيون الإنجليزية فقط، بل بدأوا تعلم اللغة الأيرلندية، وأصبحوا قادرين على غناء نشيد كاهيرسيفين «Boys of Barr na Sráide» للشاعر سيغيرسون كليفورد. ومع اقتراب موسم الأعياد، ينصب تركيز المدرسة على التحضير لمسرحية عيد الميلاد، حيث تشارك صوفيا وكاتيرينا إلى جانب زميلهما مارك فيدان، الذي يؤدي دور «شبح عيد الميلاد القادم» بإنجليزية متقنة ولمسة خفيفة من لهجة كيري.
صوفيا قدمت من مدينة خيرسون جنوب أوكرانيا برفقة والدتها تاتيانا غافريلوفا، بينما جاءت كاتيرينا من خميلنيتسكي غرب البلاد مع والدتها إيرينا يوزكوفا وجدها فيكتور يوزكوف. أما مارك، الذي كان يعيش في لفيف عند اندلاع الحرب، فجاء مع والدته ماريانا، التي تعمل مع (South West Kerry Family Resource Centre)، ويعبر الثلاثة عن امتنانهم للطريقة التي جعلهم بها سكان كاهيرسيفين يشعرون وكأنهم في وطنهم.
«لدينا مديرة رائعة للغاية»، يقول مارك بابتسامة مازحة وهو ينظر إلى مديرة المدرسة، فيما تؤكد والدته أن البدايات كانت صعبة بسبب الإقامة في فندق، لكنها تشيد بما وجدته من «محبة وتفهم كبيرين» وتنظيم دروس لغة ودعم متواصل.
ومن بين الوافدين الآخرين، يبرز أوليكسي زبوروفكسي القادم من أوديسا، والذي يعمل طاهيًا لدى (Irish Ferries)، ويشير إلى أن ابنه جورج، المصاب بالتوحد، تلقى دعمًا فرديًا في المدرسة. ويقول: «المدرسة مذهلة، ابني لديه معلم خاص، والدعم هنا أفضل مما كان متاحًا في أوكرانيا، وقد لاحظنا تقدمًا حقيقيًا».
وفي المدرسة الثانوية بالبلدة (Coláiste na Sceilge)، شهد المدير موريس فيتزجيرالد وفريقه ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الطلاب، حيث أضيف في مرحلة ما 85 طالبًا أوكرانيًا إلى نحو 500 طالب، قبل أن يستقر العدد حاليًا عند 550. وبالاستفادة من دعم وزارة التعليم عبر برنامج «اللغة الإنجليزية كلغة إضافية»، تم تنظيم حصص خاصة داخل الجدول الدراسي المعتاد، مع الاستعانة بمعلمات أوكرانيات ذوات خلفيات تعليمية، ومنح الطلاب سنة إضافية في بعض الصفوف لإعدادهم لامتحانات الدولة.
ويقول فيتزجيرالد: «مررنا بفترة كان علينا خلالها أن نعتاد على ثقافة بعضنا البعض، لكن مع الوقت بُنيت ثقة كبيرة وعلاقات قوية مع العائلات»، واصفًا المرحلة الأولى بأنها كانت «صعبة للغاية» بسبب تدفق أخبار الحرب من أوطانهم، ومحاولات المدرسة توفير أكبر قدر ممكن من الدعم مع الحفاظ على معايير تعليمية عالية.
وبين المدرستين، تلعب (Kerry South Development Partnership) دورًا محوريًا في دمج الأوكرانيين في سوق العمل، حيث ساعدت العديد منهم على اتخاذ خطواتهم الأولى نحو التوظيف، بل وأسّس بعضهم أعمالًا خاصة.
ويقول مدير التنمية الريفية جوزيف مكروهان، إن 120 من أصل 145 مشاركًا في برامج البطالة طويلة الأمد هم من الوافدين الأوكرانيين، مع التركيز على تعلم اللغة الإنجليزية والعمل المجتمعي قبل الانتقال إلى القطاع الخاص.
ويضيف أن هذا الأمر لا يفيد الأوكرانيين فقط، بل المجتمع المحلي أيضًا، في منطقة عانت طويلًا من الهجرة ونقص السكان، حيث يعمل القادمون الجدد في المتاجر والضيافة، ما يشكل «مكسبًا حقيقيًا للمجتمع».
كما استفادت الأندية الرياضية من هذا الحضور، إذ يؤكد جيري كينيدي، رئيس نادي إيفيراغ يونايتد لكرة القدم، أن العديد من الشبان الأوكرانيين انضموا للنادي، بينما يشير بادريغ أوشيا من نادي التجديف «سايف روينغ» إلى أن التجديف كان وسيلة فعالة للتعارف والاندماج.
وتوضح جوان أودونوغ من مبادرة «Tidy Towns» أن المتطوعين الأوكرانيين شاركوا في حملات تنظيف ومشروعات مجتمعية، من بينها «مسار الجنيات» قرب جسر كارهان.
وتشير عضوة المجلس المحلي عن حزب فيانا فايل، نورما موريارتي، إلى أن وصول الأوكرانيين أسهم في عكس تراجع عدد سكان البلدة، الذي ارتفع من 1,041 نسمة في 2016 إلى 1,297 في 2022، موضحة أن معظمهم يعيشون الآن في منازل مستأجرة خاصة ضمن برنامج «دعم استضافة السكن»، الذي يحصل بموجبه المضيفون على 600 يورو شهريًا معفاة من الضرائب.
وترى موريارتي ضرورة تحقيق توازن بين استخدام أماكن الإقامة السياحية لإيواء اللاجئين والحفاظ على القدرة السياحية للبلدة، خاصة مع افتتاح «مسار جنوب كيري الأخضر» الجديد، مؤكدة في الوقت نفسه أن كاهيرسيفين تعاملت مع الأزمة بشكل إيجابي، وأن الوافدين الأوكرانيين «حظوا بترحيب حار»، مضيفة: «في الاستجابة للأزمات، لا يسعنا إلا القول إن جنوب كيري قدم نموذجًا يُحتذى به، وهو أمر يدعو للفخر».
المصدر: Irish Times
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0





