مايكل دي هيغينز يختتم 14 عامًا من رئاسة غيّرت ملامح إيرلندا
بعد أربعة عشر عامًا قضاها في منصبه، يختتم الرئيس مايكل دي هيغينز هذا الأسبوع فترته الثانية والأخيرة كرئيس للدولة، تاركًا وراءه إرثًا غنيًا بالتجارب والجدل والإنجازات التي ساهمت في تشكيل صورة إيرلندا المعاصرة.
عرفت فترة رئاسته بالمواقف الجريئة والتصريحات الواضحة التي تجاوزت أحيانًا المألوف، لكنها جعلت من صاحبها أحد أكثر الرؤساء تأثيرًا في تاريخ الجمهورية.
خلال سنوات حكمه الأربع عشرة، التي بدأت عام 2011، شهدت البلاد الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الدولة الإيرلندية، وأول زيارة رسمية لرئيس إيرلندي إلى المملكة المتحدة، واستقبال البابا فرنسيس في دبلن.
كما واجه هيغينز تحديات غير مسبوقة مثل جائحة كوفيد-19، وأزمات سياسية واجتماعية، وصدامات دستورية حول حدود ما يمكن لرئيس الجمهورية قوله أو فعله أثناء ولايته.
من النضال إلى الرئاسة
ينحدر مايكل دي هيغينز من خلفية متواضعة، إذ عاش طفولته في ظروف اقتصادية صعبة بعد أن فقد والده عمله عقب حرب الاستقلال الإيرلندية. وقد أثّرت تلك التجارب المبكرة في تكوين شخصيته وفي اهتمامه المبكر بقضايا العدالة الاجتماعية.
بدأ مسيرته السياسية في صفوف حزب العمال، بعد تجربة قصيرة مع حزب «فيانا فايل» أثناء دراسته في جامعة غالواي في ستينيات القرن الماضي. وبعد محاولتين فاشلتين في الانتخابات العامة، عُيّن في مجلس الشيوخ عام 1973، وهناك التقى زوجته سابينا كوين التي وصفها لاحقًا بأنها «ركيزة حياته».
في الثمانينيات، فاز بمقعد في البرلمان عن دائرة غالواي الغربية، وتقلد في التسعينيات منصب أول وزير إيرلندي للفنون والثقافة وشؤون اللغة الغيلية، حيث لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس قناة «TG4» التلفزيونية الناطقة باللغة الإيرلندية، وساهم في إطلاق حوافز ضريبية أنعشت صناعة السينما في البلاد. كما أشرف على إلغاء المادة 31 من قانون البث الإعلامي التي كانت تمنع ظهور قيادات «شين فين» في وسائل الإعلام الإيرلندية.
وخارج حدود بلاده، عُرف هيغينز بمواقفه الصريحة ضد حرب العراق، ودعمه الثابت لفلسطين وحل الدولتين، إضافة إلى تضامنه مع حركات التحرر في أمريكا اللاتينية وحملات الدفاع عن الحقوق المدنية حول العالم.
الانتخابات الرئاسية وبداية التحوّل
في انتخابات الرئاسة عام 2011، فاز هيغينز بنسبة 56.8% من الأصوات النهائية، متقدمًا على منافسه المستقل شون غالاغر، ليتولى منصب تاسع رئيس للجمهورية.
تميّزت فترته الأولى بإنجازات رمزية مهمة، مثل زيارته التاريخية إلى لندن عام 2014 ولقائه بالملكة الراحلة إليزابيث الثانية، إضافة إلى متابعته لمراحل التحول الاجتماعي الكبرى التي شهدتها البلاد، وعلى رأسها الاستفتاء على زواج المثليين عام 2015 وإلغاء التعديل الثامن الخاص بالإجهاض عام 2018، فضلًا عن زيارة البابا فرنسيس التي تطلّبت حساسية سياسية عالية في تمثيل جميع فئات المجتمع.
وعلى الرغم من وعده المبدئي بالاكتفاء بفترة واحدة، أعلن هيغينز في ربيع عام 2018 عزمه الترشح مجددًا، وفاز بفترة ثانية بنسبة 55.8% من الأصوات متفوقًا بفارق كبير على منافسيه، بينهم بيتر كايسي وشون غالاغر.
سنوات الجدل والتصريحات الجريئة
عرفت فترة رئاسته الثانية سلسلة من المواقف التي أثارت جدلاً واسعًا، إذ اتُهم الرئيس أكثر من مرة بتجاوز الحدود الدستورية التي تحدد دور الرئيس كشخصية رمزية غير تنفيذية.
ففي عام 2016، أثارت تصريحاته بعد وفاة الزعيم الكوبي فيديل كاسترو انتقادات واسعة بعد وصفه له بأنه «أحد عمالقة قادة العالم»، مشيدًا بنظام التعليم والصحة في كوبا دون الإشارة إلى سجلها في الحريات، ما دفع وزراء في الحكومة إلى التحفظ على نبرته.
وفي عام 2022، تجاوز الجدل حدوده الداخلية حين تحدث الرئيس بصراحة عن أزمة السكن في إيرلندا خلال خطاب ألقاه في مقاطعة كيلدير، قائلاً: «لم تعد أزمة بعد الآن، إنها كارثة حقيقية، وعلينا أن نفكر جديًا في تلبية احتياجات الناس الأساسية من السكن والتعليم والغذاء».
وقد أثارت هذه التصريحات نقاشًا واسعًا بين خبراء الدستور حول مدى جواز تدخل الرئيس في قضايا السياسة العامة.
وفي العام التالي، اعتذر هيغينز بعد تصريحات أخرى اعتُبرت خروجًا عن الحياد، عندما علّق على منتدى الأمن الدولي الذي أطلقه آنذاك نائب رئيس الوزراء مايكل مارتن، ووصف توجه الحكومة في السياسة الخارجية بأنه «لعب بالنار»، في إشارة إلى ما وصفه بانجراف إيرلندا نحو مواقف الدول المنضمة إلى «الناتو».
كما أثارت تصريحاته بشأن الحرب على غزة توترًا دبلوماسيًا بعد أن وصف ما يجري بأنه «إبادة جماعية»، ودعا إلى «النظر في استبعاد إسرائيل من الأمم المتحدة» خلال مشاركته في فعاليات زراعية في شهر 9 الماضي، مما دفع السفارة الإسرائيلية إلى الرد واعتبار تصريحاته «تحريضية وعديمة الأساس».
إرث رئاسي استثنائي
برغم الجدل، يُجمع المراقبون على أن فترة مايكل دي هيغينز كرئيس تميّزت بكونها استثنائية في تاريخ الجمهورية.
فقد أعاد تعريف دور الرئيس في الوعي العام، وجعل من المنصب منصة للتعبير عن هموم الناس وقضاياهم الاجتماعية والإنسانية، من دون أن يفقد الاحترام الشعبي أو الرمزية الدستورية.
ويرى مؤيدوه أنه جعل الرئاسة صوتًا ضميريًا للأمة، بينما يعتبر منتقدوه أن تجاوزاته الكلامية وضعت أحيانًا الحكومة في مواقف دبلوماسية صعبة.
ومع انتهاء ولايته، يترك هيغينز إرثًا معقدًا يجمع بين الالتزام الإنساني العميق والنزعة النضالية القديمة، وبين الشعر والخطاب السياسي، ليبقى في ذاكرة الإيرلنديين «رئيسًا من زمنه» – مثيرًا للجدل، لكنه حاضر بقوة في ضمير الجمهورية.
المصدر: RTÉ
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0


