مهمة إنسانية لإنقاذ الأطفال المرضى من غزة إلى أيرلندا: رحلة من الألم إلى الأمل
في الأيام الأخيرة قبل الكريسماس، وبينما كانت العائلات تتجمع في صالة الوصول بمطار دبلن تحت الأضواء المتلألئة، هبطت طائرة حكومية سلوفاكية محملة بثمانية أطفال مرضى تم إجلاؤهم من غزة، ترافقهم أمهاتهم وإجمالًا 12 من أشقائهم وشقيقاتهم الذين وصلوا معهم إلى أيرلندا بحثًا عن الرعاية الطبية.
- تبرعك سيكون له دور كبير في دعم رسالتنا وإحداث فرق حقيقي – للتبرع اضغط هنااو هنا
- تواصل معنا على فيسبوك أيرلندا بالعربي– واتساب: 0830955805
- للانضمام لـ قناة تليغرام اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة اليوتيوب اضغط هنا
- للانضمام لـ قناة الفيسبوك اضغط هنا
بالنسبة للمسؤولين الحكوميين والعاملين في مجال الإغاثة الإنسانية الذين استقبلوهم تلك الليلة، كان المشهد مؤثرًا للغاية، مزيجًا من التوتر الواضح على وجوه العائلات والشعور العميق بالراحة والأمان بعد رحلة شاقة.
هذه العملية، التي اعتُبرت واحدة من أكثر المهام الإنسانية حساسية وتعقيدًا، لم تكن مجرد إجلاء طبي، بل كانت تحديًا سياسياً ولوجستيًا كبيرًا. الأطباء، والجهات الحكومية، والخدمات الصحية (HSE)، والصليب الأحمر، جميعهم نجحوا في تجاوز العقبات السياسية، والمخاوف الأمنية من الاحتجاجات العنصرية، والتحديات التي يواجهها نظام الرعاية الصحية في قلب الشتاء القاسي، وتمكنوا من تنفيذ العملية بسرية تامة.
في الوقت الذي تستعد فيه الدولة لاستقبال مجموعة جديدة من الأطفال المرضى من غزة خلال الأسابيع المقبلة، يكشف الأشخاص الرئيسيون في هذه المهمة كيف تمت العملية خطوة بخطوة.
البداية: استجابة إنسانية عاجلة لنداء دولي
في صيف العام الماضي، حددت منظمة الصحة العالمية (WHO) وجود 10,000 طفل في غزة بحاجة ماسة إلى رعاية طبية عاجلة.
وناشدت المنظمة الاتحاد الأوروبي لتقديم المساعدة، واستجابت أيرلندا بسرعة، لتصبح واحدة من أولى الدول الأوروبية التي تعهدت باستقبال الأطفال المرضى من القطاع.
وداخل المستشفيات الأيرلندية للأطفال، كان الأطباء متحمسين بشدة للمساعدة. تواصل بعضهم مباشرة مع مستشاري وزير الصحة آنذاك ستيفن دونيلي لحشد الدعم السياسي لمبادرة إجلاء الأطفال المرضى إلى أيرلندا. وبعد مناقشات مكثفة، وافق مجلس الوزراء في شهر 9 على خطة لإحضار 30 طفلًا من غزة للعلاج في البلاد.
لكن في الخلفية، كانت هناك مخاوف حكومية من احتجاجات عنصرية محتملة بسبب توفير الإقامة والرعاية لهؤلاء الأطفال. لم يكن بالإمكان الاعتماد على وزارة الاندماج أو الأنظمة السكنية التقليدية، لذا لجأت الحكومة إلى الصليب الأحمر الأيرلندي، الذي كان لديه خبرة في توفير السكن للاجئين الأوكرانيين من خلال منازل متبرع بها من الجمهور.
تكاتف المجتمع لإنقاذ الأطفال
لم يتردد نيل أوكيف، رئيس قسم الهجرة والمساعدات الدولية في الصليب الأحمر الأيرلندي، في قبول التحدي، مؤكدًا أن “الصليب الأحمر يرتبط دائمًا بالمساعدة الطبية وأزمات النزاع، ومن الطبيعي أن نفعل كل ما في وسعنا لمساعدة هؤلاء الأطفال”.
بشكل مفاجئ، لم يكن هناك أي حاجة لحملة تبرعات أو طلبات رسمية، حيث تطوع العديد من أطباء المستشفيات الأيرلندية للأطفال لاستضافة الأطفال المرضى وعائلاتهم في منازلهم. بالإضافة إلى ذلك، قدم العديد من أفراد المجتمع أكثر من 80 إلى 90 منزلًا للصليب الأحمر دون أي طلب رسمي.
وتم توفير الإقامة النهائية من قبل إحدى المؤسسات الدينية التي لم ترغب في ذكر اسمها، مما ساهم في تسهيل استقبال العائلات دون التأثير على سوق الإيجار.
التحديات الطبية: من يتم اختياره للعلاج؟
بين شهري 9 و12، كان الأطباء في مستشفيات الأطفال الأيرلندية ينتظرون بفارغ الصبر تأكيدات حول هوية الأطفال الذين سيتمكنون من استقبالهم. كانت منظمة الصحة العالمية تعمل مع مؤسسة أطفال بلا أرقام (Children Not Numbers) لتحديد الأطفال الذين يمكن نقلهم إلى أيرلندا.
لكن التحدي الأصعب تمثل في تحديد الأطفال الذين سيتم إحضارهم، حيث كان على الأطباء اختيار الحالات التي يمكن لأيرلندا معالجتها وفقًا لقدرات النظام الصحي. على سبيل المثال، لم يكن بالإمكان مساعدة الأطفال الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية في العمود الفقري، نظرًا لقوائم الانتظار الطويلة بالفعل لعلاج حالات الجنف في البلاد.
في النهاية، تم وضع قائمة مختصرة للأطفال من قبل منظمة الصحة العالمية، وكان على الأطباء في (Children’s Health Ireland) اتخاذ قرارات صعبة بشأن من سيتم إحضاره.
“كان الأمر مؤثرًا للغاية، ولم أتوقع هذا الكم من المشاعر في ذلك اليوم”، هكذا وصف الطبيب إيك أوكافور، المدير الطبي لمستشفيات الأطفال الأيرلندية، الموقف.
رحلة الإنقاذ من غزة إلى أيرلندا
مع تصاعد التوترات السياسية والشتاء القارس، كان السباق يجري للتغلب على العقبات البيروقراطية. كان الأطفال بلا جوازات سفر، لذا تطلب الأمر تنسيقًا مكثفًا بين وزارات الصحة والعدل والشؤون الخارجية والحماية الاجتماعية لضمان وصولهم بشكل قانوني.
في النهاية، تم نقل الأطفال وعائلاتهم من غزة إلى القاهرة بالتنسيق مع السفارة الأيرلندية في مصر. ومن هناك، وفرت الحكومة السلوفاكية طائرة لنقلهم إلى دبلن، كجزء من مبادرة إنسانية أوروبية.
في مساء 12/19، هبطت الطائرة في مطار دبلن، حيث كان فريق من الصليب الأحمر بانتظار العائلات في أحد الفنادق القريبة، محملين بمعاطف وبطانيات لمواجهة برد الشتاء الأيرلندي القارس.
وتساءل أحد العاملين بالصليب الأحمر: “كيف يمكننا أن نشرح لهم ما يشعر به الإنسان في ليلة شتاء أيرلندية؟”.
إعادة بناء الحياة بالأمل والرعاية
في صباح اليوم التالي، تم نقل الأطفال إلى مستشفى كونولي في دبلن لإجراء الفحوصات الطبية الأولية. توافد الأطباء والممرضون والمعالجون الفيزيائيون والنفسيون للعمل طوعًا في ذلك اليوم، في لحظة وصفتها الدكتور أوكافور بأنها “أكثر الأيام فخرًا في حياته المهنية”.
وقال أوكافور: “لقد كنت فخورًا جدًا بأنني أيرلندي، وفخورًا بأن أيرلندا أخذت هذه المبادرة”.
بالنسبة للأطباء الذين يستمعون إلى قصص الأمهات عن انتشال أطفالهن من تحت الأنقاض بعد الغارات الجوية، كانت رؤية الأطفال يحصلون أخيرًا على الرعاية التي طال انتظارها لحظة لا تُنسى.
وحتى اليوم، يعمل الصليب الأحمر الأيرلندي على مساعدة العائلات في التكيف مع الحياة الجديدة، بدءًا من استخدام وسائل النقل العام، إلى الذهاب لأول مرة لمشاهدة مباراة لرياضة الغيليك.
فيما تستعد أيرلندا لاستقبال المزيد من الأطفال من غزة، يبقى هذا المشروع نموذجًا إنسانيًا بارزًا يذكر العالم بأن الأمل لا يزال ممكنًا حتى في أحلك الأوقات.
المصدر: Independent
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0






