رئيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان يؤكد: الهجرة ليست أولوية للمحكمة بل شأن سيادي للدول
أكد رئيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (European Court of Human Rights – ECtHR)، ماتياس غيومار، أن الهجرة تُعد «بشكل كامل» مسألة سياسات عامة تعود للدول الأوروبية، مشددًا على أن المحكمة «ليست عقبة» أمام تنفيذ هذه السياسات، لكنه أوضح في المقابل أن «الأولوية السياسية لا يمكن أن تتحول إلى أولوية القاضي».
وقال غيومار إنه «يحترم تمامًا» اعتبار الهجرة أولوية لدى السياسيين، واصفًا الملف بأنه «صعب ومعقد»، إلا أنه شدد على أن استقلال القضاء يظل خطًا أحمر، مؤكدًا أن هدفه الأساسي هو حماية الاستقلال القضائي للمحكمة، وأنه «من غير المقبول على الإطلاق ممارسة أي نوع من الضغوط السياسية على اختصاصها»، محذرًا من أن المساس بمبدأ الفصل بين السلطات «يعني نهاية الديمقراطية».
وجاءت تصريحات غيومار في أعقاب بيان مشترك أصدرته إيرلندا و26 دولة أخرى من بين الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (European Convention on Human Rights) في شهر 12 الماضي، دعت فيه إلى تخفيف مستوى الحماية الممنوحة للمهاجرين بموجب الاتفاقية. ورغم رفضه التعليق المباشر على البيان، قال رئيس المحكمة إن ECtHR يمكنها «إثراء النقاش» من خلال تقديم بيانات موضوعية.
وأوضح أن المحكمة نظرت منذ عام 2016 في أكثر من 430 ألف طلب، لم تتعلق قضايا الهجرة سوى بنحو 2 في المئة منها، مشيرًا إلى أنه خلال تلك الفترة لم يتجاوز عدد الأحكام التي خلصت إلى وجود انتهاك في قضايا مرتبطة بالهجرة 300 حكم فقط.
وأضاف أن قضايا الهجرة لا تمثل سوى 1.5 في المئة من أصل 53,450 طلبًا لا تزال قيد النظر حتى نهاية العام الماضي، مؤكدًا أن هذه الأرقام تظهر أن الهجرة «ليست أولوية للمحكمة على الإطلاق»، وأنها تبقى «مسألة سياسات وطنية خالصة».
وشدد غيومار على أنه لا يرى كيف يمكن للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تشكل عائقًا أمام الدول في تنفيذ سياساتها العامة، مؤكدًا أن الاتفاقية «لا تهدف إلى فرض نظام قانوني عالمي»، وأن المحكمة تفصل في القضايا ضمن سياقها، مع مراعاة قرارات البرلمانات والمحاكم الوطنية، بهدف تحقيق «توازن عادل بين المصالح المتعارضة».
من جانبها، قالت القاضية أونا ني رايفيرتاي، ممثلة إيرلندا في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إن إيرلندا كانت تاريخيًا من الداعمين الأقوياء للمحكمة والاتفاقية، مشيرة إلى أن الاستثناء الوحيد الذي أثار «قدرًا من القلق» تمثل في توقيع إيرلندا على بيان شهر 12 المشترك.
وأضافت أنها لا تعلم بوجود أي قضية مُنعت فيها إيرلندا من ترحيل شخص أو التعامل معه من منظور الهجرة، مرجحة أن توقيع البيان جاء في سياق الانضمام إلى 26 دولة أخرى، من بينها المملكة المتحدة.
وجاءت هذه التصريحات قبيل نشر التقرير السنوي للمحكمة لعام 2025، الذي أشار إلى أن المحكمة فصلت في 38,573 طلبًا خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 5 في المئة مقارنة بعام 2024، وتلقت نحو 31 ألف طلب جديد. ومن بين أبرز الأحكام، قرار الدائرة الكبرى المكوّنة من 17 قاضيًا في قضية رفعتها أوكرانيا وهولندا، خلص إلى مسؤولية روسيا عن انتهاكات جسيمة وواسعة النطاق لحقوق الإنسان منذ عام 2014، رغم استبعاد روسيا من مجلس أوروبا (Council of Europe) عام 2022.
وتطرق التقرير أيضًا إلى أحكام مهمة تتعلق بمفهوم الرضا في العلاقات الجنسية، من بينها قضية ضد فرنسا أدت إلى إدراج مفهوم الرضا صراحة في التعريف القانوني لجريمة الاغتصاب. كما أظهر التقرير أن معظم الطلبات المعلقة تتعلق بتركيا، تليها روسيا وأوكرانيا، في حين لم تُسجَّل سوى أربع قضايا فقط ضد إيرلندا، دون صدور أي أحكام بحقها خلال العام الماضي.
وأكدت القاضية ني رايفيرتاي، أن التاريخ الإيرلندي منح الشعب الإيرلندي «فهمًا عميقًا» للعلاقة بين سيادة القانون وحقوق الإنسان من جهة، والسلام والازدهار من جهة أخرى، مشيرة إلى أن التجربة الدستورية الإيرلندية واتفاق «الجمعة العظيمة (Good Friday Agreement)» في أيرلندا الشمالية تُبرز بوضوح هذا الارتباط.
وفي ختام حديثه، حذّر غيومار من أن أوروبا تواجه اليوم تهديدات خارجية وأزمات داخلية وتآكلًا في الثقة بسيادة القانون، إضافة إلى تصاعد الاستقطاب والشعبوية، معتبرًا أن الوضع «مقلق للغاية» ويعيد إلى الأذهان مرحلة ما بين الحربين العالميتين.
وأكد أن المحكمة «قوية»، وأن أولويته كرئيس لها تتمثل في تعزيز كفاءتها وشفافيتها ومساءلتها، مشددًا على أن القضاة والموظفين يعملون ضمن إطار المسؤولية المشتركة مع المحاكم الوطنية «ليس فقط لحماية الحقوق، بل لضمان إنفاذها فعليًا».
المصدر: Irish Times
arabdublin.ie by Ireland in Arabic Organization is licensed under CC BY-NC-ND 4.0






