سياحة وسفر

كيف يستمتع سكان أيرلندا بالحياة على طريقتهم الخاصة؟

Advertisements

 

 

لا يعرف كثيرون من خارج أيرلندا المفهوم الذي تشير إليه كلمة “Craic”، التي تعني إجراء محادثة لطيفة وقضاء وقت طيب، وتعبر عن نهج يمكن من خلاله للمرء الاستمتاع بكل لحظة من لحظات حياته بعمق، دون تعكير صفوه بالاستغراق في الماضي، أو القلق من المستقبل.

مشاهدٌ محددة ربما تطرأ على ذهن المرء بمجرد أن تخطر مدينة غالواي الأيرلندية بباله؛ من بينها الحانات الصاخبة، وكؤوس الخمر، بجانب الموسيقى بطبيعة الحال، فأينما ذهبت ستجد موسيقى حيةً وفاتنةً ورائعة الإيقاعات.

كل ما سبق يشكل جانباً مهماً من هذه المدينة الواقعة على الساحل الغربي الأيرلندي، والتي يصل عدد سكانها إلى نحو 80 ألف نسمة، وهو كذلك أول ما يلاحظه غالبية السائحين فيها.

لكن إذا تحدثنا عما يُكسب غالواي هذه الروح الفريدة، فسنجد أن الأمر أكثر إثارةً وتعقيداً وتأثيراً مما يبدو على السطح.

فالمسألة هنا تفوق مجرد وجود موسيقى وعزف على الكمان، أو تسجيل أرقام قياسية في موسوعة غينيس.

 

وكما تقول إيفين ماكنمارا، وهي مالكةٌ لأحد مطاعم المدينة: “يتحدث الناس عن حيوية غالواي، وهو أمرٌ ملموس، فالكثيرون يأتون إلى المطعم بعد استكمال سلسلة الرحلات المعروفة باسم ‘وايلد أتلانتيك واي’ (التي تشمل الساحل الغربي لأيرلندا ومناطق على السواحل الشمالية والجنوبية لهذا البلد)”.

 

 

وتضيف: “ورغم أنهم تأثروا بالفعل بما رأوه في مدنٍ مثل سلايغو ودونيغال، وبالتأكيد بمعالم أخرى في مدينتيْ كيري وكورك، فإن هناك حيويةً تكتسي بها غالواي، تتسم بأنها واضحةٌ على نحوٍ لا ريب فيه”.

فثمة صخبٌ بعينه، يبدو أنه مشتركٌ بين كل الأماكن التي تذهب إليها في تلك المدينة، من الأسواق المفتوحة إلى الكورنيش الساحلي، وصولاً إلى المطاعم والمهرجانات.

لكن هذه الحيوية التي تلمسها، هي في الوقت ذاته أبعد ما تكون عن أن تتسم بطابعٍ محمومٍ. فهي ذات سمت يُعرف باللهو والمرح ولكنه خالي البال في الوقت نفسه، كما أنها تكتسي بروحٍ مُفعمةٍ بالحياة، دون أن يمنع ذلك من أن تكون هادئةً مسترخيةً.

ولدى الأيرلنديين مصطلحٌ خاصٌ للغاية يطلقونه على هذا الضرب من المتعة والسرور ذي الطابع خالي الذهن، ألا وهو “Craic”، وهي مفردةٌ تعني ترجمتها الحرفية إجراء محادثة لطيفة أو قضاء وقتٍ طيب.

قبل وصولي، أخبرتني واحدة من سكان غالواي، بأنني قد أجد تلك المتعة ذات الطابع المتفرد في أماكن غير متوقعة من المدينة.

 

 

كان ذلك المكان عبارةً عن شاطئ يحمل اسم “بلاك روك” (الصخرة السوداء)، ويقع في نهاية الكورنيش الساحلي في المدينة.

أما الوقت الذي نُصِحتُ به فكان تمام الثامنة من صباح أي يومٍ من أيام السبت في شهر يناير/ كانون الثاني.

ظننت في بادئ الأمر أن هذه السيدة مخطئةٌ بالقطع، فلم أتصور أن أحداً سيقفز في الماء في هذا الوقت من العام، خاصةً بالنسبة لمدينة تُعرف بأن أهلها اعتادوا أن ينعموا بوقتهم بالفعل حتى ساعةٍ متأخرة من ليلة الجمعة، ولذا بدا غريباً أن يجد هؤلاء متعة في الاستيقاظ مبكراً للغاية في الصباح التالي لذلك مباشرةً.

كما بدا الأمر أكثر غرابة في ضوء الطقس الشتوي البارد الماطر قليلاً، الذي يسود في مثل هذا الشهر سنوياً.

 

 

لكنني أنا الذي كنت مخطئاً. فعندما وصلت إلى ذلك الشاطئ، وجدت شخصاً تلو الآخر ينهمك في خلع ثيابه لارتداء ملابس السباحة، والقفز في المياه العكرة رمادية اللون.

ثلاثةٌ من هؤلاء كانوا طلاباً في جامعة تقع هنا، ويُعزى لوجودها قدرٌ كبير من الحيوية الشابة التي تتمتع بها غالواي.

وطفق هؤلاء – وهم يرتجفون والمياه تتساقط من على أجسامهم – يتحدثون ضاحكين عن كيف كانت المياه التي سبحوا فيها لتوهم باردة، وقال أحدهم: “يفعل المرء ذلك لأجل روح الـ ‘Craic’ التي تحدثنا عنها سابقاً”.

ذكرني ذلك بحديثٍ دار بيني وبين كريغ فليرتي، الذي يعمل في أحد مسارح المدينة، قال لي خلاله: “هناك شيءٌ ما في هواء غالواي؛ ضربٌ من الروح البريّة”.

وقد لعب موقع هذه المدينة الأيرلندية دوراً كبيراً في إكسابها روحها. فنظراً لأنها تقع قبالة المحيط الأطلسي، فقد اعتاد أهلها ذاك الطابع المتقلب ذا التغيرات المتواصلة الذي تتسم به الحياة، فهي قد تباغتهم في يومٍ ما بعاصفةٍ قوية عاتية، بينما تأتيهم في اليوم التالي مباشرةً بطقسٍ مشمس هادئ.

وقد كان لموقعها الجغرافي تأثيرٌ سياسي كذلك، فهي على الساحل المقابل لمدينة دبلن، وهو ما جعلها تصبح أشبه بنظيرٍ بوهيميٍ للعاصمة.

لكن إذا كان موقع مدينة غالواي قد أسهم في إكسابها روحها المسترخية الهادئة، فإن هذه الروح قد ازدادت قوة بفعل تصميمها الداخلي.

فالمدينة صغيرةٌ بقدرٍ يجعل بمقدورك أن تصادف الناس أنفسهم مراراً وتكراراً خلال وقتٍ قصير.

فمع أنني غريبٌ عن المكان، فقد ظللت أصادف بضعة من السكان ممن أعرفهم. ولأن الكل يسير على الأقدام – فمنطقة وسط المدينة ذات الطابع التاريخي مخصصةٌ للمشاة على سبيل المثال – فإن من السهل، بل ومن المتوقع، أن يوقفك أحد المارة لكي تثرثرا قليلاً.

وبرأي ماكنمارا فإن غالواي ليست “مدينةً وإنما بلدة. لم أشعر قط بأنه يتعين عليّ حمل حقيبةٍ بعينها، أو ارتداء حذاءٍ بعينه”، لغرض الخروج من المنزل. وأضافت بالقول: “هذا حقاً أمرٌ محببٌ ويحرر المرء من أعباءٍ كثيرة. الحياة تتسم بالبساطة وبأنها بعيدة كل البعد عن الطابع المظهري”.

 

 

ويعم هذا الشعور بالبهجة المصاحب للشعور بالاسترخاء شوارع غالواي بطرق أخرى كذلك. وفي هذا الشأن يقول فليرتي: “هناك رغبةٌ طيبة في الاحتفال.

يمكنك أن ترى ذلك في الشوارع، بدءاً من الموسيقيين المتجولين مروراً بالحانات وصولاً إلى (من يمارسون) فن الشارع”.

ويرى الرجل أن طبيعة تصميم المدينة بدايةً “من شوارعها الضيقة الملتفة، وحتى ساحاتها الكبيرة المفتوحة”، تمنح فرصةً عظيمةً لعزف الموسيقى، ونيل تلك المتعة المتفردة التي يمنحها هذا المكان لقاطنيه وزائريه.

هنا يأتي وقت الحديث عن المهرجانات، التي لا يخلو منها بشكلٍ أو بآخر، شهرٌ من شهور السنة، كما يقول إنغوس أوفرتي، الذي يعمل في إحدى الحانات التي يرتادها الكثيرون في تلك المدينة الأيرلندية.

إذ يقول الرجل إنه لا يمر شهرٌ دون أن يحدث شيءٌ ما في غالواي، يتسم بالطابع الأصيل لمفهوم الـ” Craic”.

وتضم قائمة الفعاليات التي تحتضنها غالواي في هذا الإطار مهرجاناتٍ من قبيل مهرجان المحار والمأكولات البحرية، وسباقات غالواي، ومهرجان شراب الـ”جِن”، بجانب مهرجانات موسيقية ومسرحية وأدبية، والقائمة تطول.

وفي ضوء إخلاص المدينة وتفانيها، لروحها المتفردة التي تُكسب الموجودين فيها شعوراً بالبهجة والمتعة ذات الطابع المتمهل الهادئ، فلم يكن من المستغرب كثيراً أن تُختار عاصمةً للثقافة الأوروبية لعام 2020.

اللافت أنه كان لدى كل من التقيتهم تعريفٌ خاص ليس لهذه الروح فقط، وإنما للنسخة الخاصة بـ”غالواي” منها، وقد كانت هناك اختلافاتٌ طفيفة بين هذه التعريفات وبعضها البعض.

ولكن بدا أنه كان بوسع توني برك – الذي ظل ولسنواتٍ طويلة يبيع الزهور والورود في سوق السبت – شرح تلك الروح بأفضل صورة، حينما قال “إنه ذاك المزيج ما بين الحديث مع الآخرين، والتواصل معهم، والشعور بالانتماء، وهو تجنب الادعاء أو التظاهر كذلك”.

ويضيف: “التمايز الطبقي لا يهم هنا البتة. الأمر يتمثل في أن تكون منفتحاً، وأن تدرك أنه سيظل بوسعك أن تجد من يتحدث معك، حتى وإن كنت مشرداً بلا مأوى وتفتقر إلى أي شيء مُحبب أو مفيد. الحياة متشابهة بالنسبة لنا جميعاً، وكلنا يحاول أن يمر بها بنجاح”.

وتتفق ماكنمارا مع هذا الرأي، قائلةً: “عدم الافتعال أمرٌ أساسيٌ، فهناك ذلك الشعور الفعلي بالمشاركة، الذي تجد الناس في إطاره يريدون حقاً التواصل معك.

أقول عادةً للسائحين الأمريكيين ‘ما حكايتكم؟’ وهو ما يصيبهم بصدمةٍ كاملة، وكأن لسان حالهم يقول ‘ما الذي تقوله هذه السيدة؟’ ولكنني أريد فقط أن أعرف كيف حال من أتحدث معه، لأنني أهتم بذلك، والعالم يحتاج لمزيدٍ من الأشخاص ممن يهتمون بذاك الأمر”.

أما بالنسبة لنقطة تجنب الطابع المظهري أو الادعاء والتظاهر، فستجدها مثلاً في الحانات، التي لا يوجد مكانٌ مخصص للموسيقيين سوى في بضعٍ منها فقط، فعادة ما يجلس العازفون في أحد أركان المكان. ويمكنك أن تلمس أيضاً في غالواي سقوط الحواجز.

فغالباً ما لا يتم حجز الفرق الموسيقية مسبقاً للعزف في مكانٍ ما، بل إن الباب مفتوحٌ لكل من يريد العزف. ففي الحانة التي يعمل بها أوفرتي، شاهدت سائحاً صينياً مُتشبثاً بكمانه، وهو يعزف عليه لبعض الوقت.

وقد قوبل بترحيبٍ حار من جانب الموجودين بالمناسبة.

فضلاً عن ذلك، بوسعك أن تدرك أن الموجودين في غالواي، ينجحون في أن يعيشوا كل لحظة من لحظات حياتهم بعمق، دون إهدارها في الاستغراق في الماضي أو الشعور بالقلق بشأن المستقبل، كما يمكن لهؤلاء القيام بأي شيء فقط، لأنهم يحبون ذلك.

من بين أمثلة ذلك، أن غالبية الموسيقيين لا يتقاضون أجراً، إلا احتساؤهم الشراب على حساب أصحاب الحانات التي يعزفون أعمالهم فيها.

نقطة أخرى وأخيرة متعلقة بروح الـ “Caric” تتمثل في وجود رغبة لدى سكان تلك المدينة الأيرلندية في التواصل مع الآخرين، ولعل ذلك يتضح في حقيقة أن هؤلاء الموسيقيين يتصرفون على هذه الشاكلة، ليس فقط للتواصل مع نظراءٍ لهم من العازفين، بل ولإقامة صلة أيضاً مع مرتادي الحانات، التي يقدمون أعمالهم فيها.

وفي النهاية يقول برك: “غالواي مدينة منفتحة للغاية، وسترى ذلك في عدد الجنسيات التي يأتي أصحابها إلى هنا.

فهم يشرعون في اكتساب اللهجة الأيرلندية والسلوكيات والأقوال المأثورة (السائدة في هذا البلد). هم يكتسبون ذلك ويحبونه أيضاً”.

 

 

الموضوع نقلا عن BBC Travel

 

 

Advertisements

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: